
البحر من أمامكم والعدو من ورائكم… ولكن ماذا لوصار البحر بدوره عدواً يهدد ناسه ورواده؟ موجة قلق اجتاحت اللبنانيين بعد صدور تقرير “المركز الوطني لعلوم البحار” التابع “للمجلس الوطني للبحوث العلمية” للعام 2026 حول حال الشواطئ في لبنان. رصد مكثف لسنتين ومسح باكتيري لمياه البحر أظهر أن 68% فقط من الشواطئ اللبنانية صالح للسباحة فيما الباقي يتنوع بين حذر وغير مأمون الى ملوّث بشكل كبير. وأتى تغيّر لون المياه على شاطئ الرملة البيضاء من الأزرق الى الأصفر منذ أيام ليزيد المخاوف ويثير التساؤلات حول مدى خطورة السباحة على شواطئ لبنان .
لحسن الحظ الأرقام ليست كلها مقلقة وبعض ما يحدث مرده الى عوامل طبيعية، لكن هذا لا ينفي كون الشاطئ اللبناني يتعرض لاعتداءات عنيفة تترك آثارها السلبية لا على البيئة البحرية فحسب بل على منظومة سياحية صحية اقتصادية واجتماعية مترابطة. والمؤسف ان الاعتداءات مستمرة وحتى الآن لا سبيل عملياً لإيقافها مع كل ما تعانيه البلاد من مشاكل . البيئيون وبشكل خاص المهتمون بالبحار يقرعون جرس الإنذار لكنهم يقدمون في الوقت ذاته حلولاً عملية ممكنة. بداية لنستعرض وضع الشاطئ اللبناني من عكار الى صور كون الناقورة آخر نقطة على الشاطئ جنوباً خارج معطيات البحث حالياً.
تلوث باكتيري
كنزنا الأزرق في خطر و6 شواطئ فقط من أصل 37 جاء تصنيفها الباكتيري جيد جداً 5 منها شمالاً ما بين أنفه وعمشيت والبترون وجبيل وواحد جنوباً في العباسية. و 19 شاطئاً بتصنيف جيد تمتد من المنية الى طرابلس وأنفة والهري وسلعاتا والبترون وصولاً الى العقيبة والفيدار والبوار والصفرا والمعاملتين ومن ثم بيروت بين مرفأ الصيادين والريفييرا وصولاً الى خلدة والرميلة و الغازية والصرفند وعدلون وشاطئ محمية صور.وقد أثبتت الفحوصات المخبرية انخفاض التلوث الباكتيري في هذه الشواطئ وتراجع تركيز الباكتيريا البرازية المسموح به. أما الشواطئ ال12 الباقية التي شملتها الدراسة فتتوزع بين 5 مواقع حذرة و7 ملوثة بشكل كبير سجّلت فيها مستويات باكتيرية مرتفعة.
وتبين أن العدد الأكبر من الشواطئ الملوّثة هي شواطئ عامة أو مسابح شعبية غالباً ما ترتادها الفئات الشعبية التي لا تسمح لها إمكانياتها المادية بارتياد الشواطئ الخاصة المدفوعة لا سيما وأن كلفة الدخول الى المسابح الخاصة ترتفع سنة بعد سنة . ومن أكثر الشواطئ العامة تلوثاً ، الشاطئ الشعبي الرملي في طرابلس ، المسبح الشعبي الرملي في جونيه، الشاطئ الرملي قرب مرفأ الضبية ، شاطئ انطلياس إضافة الى شواطئ ترتادها أعداد كبيرة من السابحين وتشكل متنفساُ لأهل العاصمة وضواحيها القريبة وهي شاطئ المنارة و شاطئ الرملة البيضاء الأيقوني الذي يعتبر الملاذ الأحب لأعداد هائلة من العائلات والأطفال و الشبان من اللبنانيين وغير اللبنانيين في الصيف. وتلي شواطئ بيروت بعض الشواطئ الخاصة في الدامور والجية والشاطئ العام شمال مصب نهر الأولي إضافة الى شاطئ صيدا الشعبي وشاطئ المطاعم في مدينة صور.
وقد اعتمد هذا التصنيف على تركز البكتيريا في المياه بحيث اعتبر وجود واحد الى 200 مستعمرة باكتيرية في 100 مل من مياه البحر مستوى جيد الى جيد جداً فيما وجود 201 الى 500 في الكمية ذاتها يجعل الشواطئ تتنوع بين حذر وحرج فيما وصول العدد الى ما فوق 500 مستعمرة باكتيرية يعني وجود تلوث غير مقبول قد يصل الى حدود التلوث الحاد.
اعتداءات بالجملة
حال الشواطئ هذه وأسباب التلوث يشرحها المهندس مالك غندور رئيس التجمع اللبناني للبيئة و المواكب لكل الدراسات والنشاطات البيئية قائلاً: ” يعد الشاطئ اللبناني من أهم الموارد الطبيعية والاقتصادية في البلاد إذ يحتضن تنوعاً بيولوجياً غنياً ويوفر خدمات بيئية واقتصادية واجتماعية أساسية تشمل الصيد البحري والسياحة والترفيه وحماية الساحل من عوامل التعرية . إلا أن هذا الشريط الساحلي يواجه منذ سنوات ضغوطاً متزايدة تهدد استدامته نتيجة عوامل عدة أغلبها إنساني، ومنها النمو العمراني غير المنظم والردم البحري وتوسع المنشآت الساحلية الى جانب تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة والتلوث الصناعي وتراكم النفايات الصلبة والبلاستيكية، إضافة الى عوامل طبيعية أهمها آثار التغيير المناخي التي تتجلى في ارتفاع حرارة مياه البحر وازدياد شدة العواصف وارتفاع مستوى سطح البحر . و تؤدي هذه الضغوط الى تدهور جودة المياه الساحلية وتدمير الموائل الطبيعية الحساسة مثل الشواطئ الرملية و الموائل الصخرية وتراجع التنوع البيولوجي وانتشار الأنواع الدخيلة وانخفاض المخزون السمكي . كما تتأثر الكائنات البحرية بالتلوث الكيميائي والبلاستيكي حيث تتعرض الأسماك والسلاحف و الطيور البحرية للاختناق او ابتلاع مخلفات البلاستيك فضلا عن تراكم الملوثات في السلسلة الغذائية وازدياد نسب الباكتيريا في المياه كما أظهرت الدراسة الأخيرة لمركز علوم البحار.
ولا تقتصر آثار التلوث على البيئة البحرية بل تمتد الى صحة الإنسان اذ يزيد تلوث مياه البحر من مخاطر الإصابة بالأمراض الجرثومية والفيروسية خاصة في المناطق التي تشهد تصريفاً مباشراً لمياه الصرف الصحي كما في الشواطئ التي صنفتها الدراسة ملوثة الى ملوثة جداً. كما أن تراكم المعادن الثقيلة والملوثات العضوية في الأسماك والأحياء البحرية قد يشكل خطراً على من يستهلكها . أما اقتصادياً فيسبب تدهور البيئة الساحلية في خسائر اقتصادية من خلال تراجع النشاط السياحي وانخفاض انتاجية قطاع الصيد وارتفاع كلفة معالجة التلوث وإعادة تأهيل المواقع المتضررة”.
إضافة الى ما ذكره الخبير البيئي لا يمكن تجاهل الآثار المدمرة للحربين الأخيرتين لا سيما على الشاطئ الجنوبي . فشاطئ الناقورة الذي كان من بين أجمل وأنقى الشواطئ و يحوي كنوزاً جيولوجية صار منطقة عسكرية خاضعة للرقابة الإسرائيلية يمنع الدخول إليها وكذلك الحال بالنسبة لشاطئ البياضة أما شاطئ محمية صور الذي كان يعد من بين أجمل الشواطئ في لبنان فقد شهد بدوره تداعيات الحرب وآثارها السلبية. كما فقد شاطئ المنصورة نتيجة القصف إحدى أبرز الناشطات البيئيات و حامية السلاحف البحرية فيه السيدة منى خليل التي رحلت تاركة وراءها شاطئاً ينزف حزناً وخوفاً على المصير.
المحميات تحمي الشاطئ
ويبقى السؤال الأهم هل لبنان قادر على معالجة شواطئه ولو بالحد الأدنى؟ يؤكد غندور أن أهم الركائز التي ينبغي تعزيزها لحماية الشاطئ اللبنانيهو إنشاء وتطوير شبكة وطنية فاعلة من المحميات البحرية تؤمن ملاذات آمنة لتكاثر الأسماك داخلها وتسهم في استعادة المخزون السمكي في المحميات والمناطق المجاورة لها. كما تشكل المحميات مواقع بحث علمي وتوعية بيئية و رصد للتغيرات و تشجيع السياحة البيئية المستدامة .
وفي هذا الإطار، تبرز الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية بوصفها النهج الأكثر فاعلية لتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة. ويقوم هذا النهج على التخطيط العلمي لاستخدامات الساحل، وتعزيز البنية التحتية لمعالجة مياه الصرف الصحي، والحد من التلوث عند مصدره، ومراقبة نوعية المياه بشكل دوري، وإعادة تأهيل المواقع المتدهورة، وتوسيع شبكة المحميات البحرية وربطها بخطط وطنية للحفاظ على التنوع البيولوجي، إضافة إلى تعزيز التوعية البيئية وتطبيق القوانين بصرامة. وحده اعتماد هذا النهج من شأنه أن يحافظ على الشاطئ اللبناني بوصفه ثروة وطنية، وأن يضمن استدامة خدماته البيئية والاقتصادية والاجتماعية للأجيال الحالية والمستقبلية.
لكن هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تنهي عهد المحسوبيات في الأملاك البحرية وتمنع المزيد من البناء على الشواطئ؟ وهل تنهي عهد الفساد في مصانع معالجة مياه الصرف الصحي وهدر المساعدات المخصصة لهذا القطاع؟ وهل تستطيع التحكم بكميات الردم الهائلة الناشئة عن الحربين الأخيرتين وما تحمله من معادن ومواد كيميائية ملوثة ومعالجتها بشكل علمي وفعال قبل رميها في البحرلتجنيبه المزيد من التلوث و التغيير البيئي فيه؟ فالردم وفق ما يقول أحد الخبراء قد يحوي على مادة الاسبستوس المسرطنة التي كانت تستخدم قديماً أو على مواد البلاستيك و الكاوتشوك المصنع المستخدم في الأسقف والأرضيات وكل البقايا المحتوية على مواد كيميائية قد تتفاعل مع مياه البحر المالحة وتترك تلوثاً و انبعاثات ضارة.
زيزي اصطفان -نداء الوطن



