الإعلامية ريما صيرفي: من قلبي وداع لمها بيرقدار الاستثنائية

 

 

من قلبي وداع لمها بيرقدار الاستثنائية:

رحلت مها بيرقدار.. شاعرة ورسامة وصديقة كبيرة حفرت حضورها الرقيق في قلوب مَن عرفوها. كانت مثل السكينة، يبحث عنها مَن يشتهي الهروب من ضوضاء الروح. لعلّي كنتُ منغمسة لسنوات في مشاغلي التافهة التي أبعدتني عن زيارة مها في صومعتها الدافئة في غزير. أغمض عينيّ فتجتاحني فصول قديمة جمعتني بمها بيرقدار الخال وبما نسجته في دواخلي من علاقة أنيقة، متينة، وجدانية ومؤثرة. كنت أتأبط دفاتري ونظاراتي والقلم وتلهث خطواتي على أدراج بيتها الحجرية الطويلة المظلمة بسبب انقطاع التيار في البلدة. كنا نجلس ساعات على ضوء الشموع في ركن صغير استحدثته داخل مطبخها الفسيح. في هذا الركن المتواضع والضيق، استضافت مها عليّة القوم من دون إحراج، حيث كانت تنساب قراءات لشعر حديث الولادة، وآراء عن الحب وخفقات القلب، والشجن الدفين، وألوان الأفق، والفرح المفقود، وحياة المبدعين المغمّسة بالقلق، ويعرّج الكلام دوماً على العلاقة العظيمة بالله. كنتُ طالبة إعلام شديدة الانتباه والتعلّم من مها، فرحة وممتنّة لها لأنها فتحت لي بيتها وقلبها، وشجّعتني لأحاورها في مجلة الحسناء، وافتخرتْ ذات مرة أمام زوجها الشاعر يوسف الخال بأنّ صحافية في التاسعة عشرة ربيعاً نبشت في مكنونات مها بيرقدار وأخرجت أجمل البوح. عن زوجها الذي يكبرها بعقود قالت يومها تعبيراً لا أنساه: يوسف اجتاحني بكل جوارحه. كلامها يجسّد العشق الجياش الذي حملته امرأة شابة تهوى الرسم والقصيدة، انتقلت من سوريا الى أحضان مفكر كبير من لبنان، ودود وصلب في آن، يعبّر بالقلم لا بالكلام. عانت الكثير خلال مرضه. كانت الممرضة التي تبكي في الخفاء. والأم التي لا تملك أكثر من العطف على ابنتها ورد وابنها “وسّوف” كما كانت تسمّيه تحبّباً.
اذكر كم كانت تتحدث عن الفرح الذي يصعب استبقاؤه حين يزور الانسان. تحكي وتمجّ سيجارتها وتشيح الدخان عن تلك الخصلة الرمادية اليتيمة التي احتفظت بها في شعرها البني الغامق الطويل، الى أن كرهتها ذات يوم وأخضعتها لألوان ريشتها. عن الموت كان حديثنا يطول قبل أن يرحل الكبير يوسف الخال. ” موتي لا أخافه بل أخشى على أولادي وأحبّائي من أن يحزنهم فراقي”.
يا مها فراقكِ فيه اشتياق كبير. الى اللقاء حتماً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى