سمير سكاف- كيف سيتعامل ترامب مع الأوروبيين مع “احتلاله” لجزيرة لحليف له في الناتو؟

 

*سمير سكاف – كاتب وخبير في الشؤون الدولية*

إن ثروات جزيرة غرينلاند الطبيعية والنفطية والمعدنية والمائية والجغرافية وموقعها الاستراتيجي وحجمها الهائل… هي أمور أكثر من كافية بكثير لتبرر “الاعتداء” الأميركي المرتقب للولايات المتحدة الأميركية على الجزيرة، ولتبرر إرادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب “احتلالها”!

بإيجاز، يريد الرئيس ترامب “احتلال” غرينلاند أكان ذلك يعجب الأوروبيين أو “600 عمرن ما يعجبهن” و”يللي بيطلع بإيدن يطلع ب…! و”إذا مش عاجبن يدقو راسن بالحيط!”

بهذه المصطلحات اللبنانية “المهذبة جداً” نسبةً للواقع، يمكن تلخيص موقف الرئيس ترامب من ما يفكر به الأوروبيون وقادة أوروبا في قضية “احتلاله” المرتقب لغرينلاند!

أما بالنسبة لموقفه من روسيا والصين، فإن التفاهمات الإستراتيجية لمناطق النفوذ الجغرافية تبعد احتمالات المواجهات العسكرية بينه وبينهم في الوقت الحاضر.

*من احتمال الى “احتلال”!*

​إن فكرة “شراء” أو “احتلال” غرينلاند من قبل الولايات المتحدة ليست مجرد خيال سياسي، بل هي موضوع برز فعلياً في عام 2019 عندما أعرب الرئيس ترامب عن اهتمامه بالأمر.

والرئيس ترامب يريد “الاحتلال” أو الاستحواذ على الجزيرة لعدد من الأسباب الجيوسياسية، والاقتصادية، وحتى “القانونية”. ومنها:

*​1. الأهمية الجيوسياسية:*

إن جزيرة ​غرينلاند ليست مجرد قطعة جليد كبيرة، بل هي أصل استراتيجي هائل:

*أ – لجهة ​الموقع:*

تقع في قلب القطب الشمالي، وهي نقطة وصل بين أمريكا الشمالية وأوروبا وروسيا.

*ب – لجهة ​الموارد:*

تحتوي على احتياطات ضخمة من العناصر الأرضية النادرة (Rare Earth Metals) الضرورية لصناعة التكنولوجيا والأسلحة.

*ج – لجهة ثروات النفط والغاز.*

*د – لجهة ​التنافس مع الصين وروسيا:*

فالسيطرة عليها تضمن للولايات المتحدة الهيمنة على ممرات الشحن الجديدة التي تظهر بسبب ذوبان الجليد، وتمنع الصين من موطئ قدم هناك.

*​2. التداعيات الدبلوماسية والقانونية:*

​إذا قرر الرئيس ترامب “احتلالها” أو الضغط لضمها، فهو سيواجه بعض أو كل السيناريوهات التالية:

*أ – ​أزمة مع الدانمارك والاتحاد الأوروبي… وحلف الناتو:*

فجزيرة غرينلاند تابعة للتاج الدانماركي (على الرغم من تمتعها بالحكم الذاتي).

إن أي محاولة استحواذ غير ودية ستؤدي إلى انهيار العلاقات مع حليف رئيسي في “الناتو”. والى أزمات مع باقي الحلفاء.

ومن المفترض أن يدافع الناتو “عسكرياً” على الدانمارك ضد… الولايات المتحدة الأميركية!

*ب – ​القانون الدولي:*

إن مبدأ “شراء الدول” أو ضمها قسراً أصبح من مخلفات القرن التاسع عشر. أما العالم الحديث سيعتبر ذلك انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول وحق تقرير المصير لسكان غرينلاند (الإنويت).

ولكن من يعير اهتماماً للقانون الدولي اليوم، بعد أن كان قد دُفن في غزة. وبعد أن شُل فيها مجلس الأمن والهيئة العامة للأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية…

*​3. التحديات الاقتصادية:*

على ال​رغم من ثرواتها، تمثل جزيرة غرينلاند حالياً عبئاً مالياً، وحتى يسهل الاستثمار بها مستقبلاً:

إذ ​تعتمد الجزيرة اليوم بشكل كبير على الدعم السنوي من الدانمارك (مئات الملايين من الدولارات).

كما أن ​البنية التحتية هناك صعبة للغاية بسبب المناخ، مما يجعل استخراج الموارد مكلفاً جداً ويتطلب استثمارات بمليارات الدولارات قبل رؤية أي ربح.

*​4. رد فعل السكان المحليين:*

إن ​شعب غرينلاند سيعمل للحفاظ على هويته. وإن كان قد يرحب البعض بالاستثمارات الأمريكية، إلا أن فكرة “الاحتلال” أو الضم القسري ستقابل بمقاومة مدنية ودبلوماسية شرسة، مما سيحولها إلى “صداع” سياسي لواشنطن بدلاً من جائزة.

*5. ​مفارقة تاريخية:*

كانت الولايات المتحدة قد اشترت بالفعل “ألاسكا” من روسيا و”جزر العذراء” من الدانمارك سابقاً، لذا من منظور الرئيس ترامب “رجل العقارات”، يبدو الأمر كصفقة تجارية كبرى لم تكتمل بعد.

*خصائص جزيرة غرينلاند*

إن غرينلاند ليست مجرد جزيرة، بل هي “قارة صغيرة” متجمدة تمتلك خصائص تجعلها مطمعاً للقوى العظمى، وخاصة الولايات المتحدة التي تعتبرها “خط الدفاع الأول” عن أمريكا الشمالية.

​ومن أبرز أبعاد هذه المساحة الشاسعة والوجود العسكري الأمريكي فيها:

*​1. المساحة والأرقام “العملاقة” لأكبر جزيرة في العالم:*

إن أرقام جزيرة غرينلاند مذهلة! إذ تبلغ مساحتها حوالي 2,166,000 كيلومتر مربع.

وتتجاوز هذه المساحة مساحة فرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، والمملكة المتحدة، وإيطاليا، واليونان، وسويسرا، وبلجيكا مجتمعة.

​يغطي الجليد حوالي 80% من مساحتها، بسمك يصل في بعض المناطق إلى 3 كيلومترات. هذا الجليد يمثل 7% من احتياطي المياه العذبة في العالم.

​وتمتد الجزيرة من الشمال إلى الجنوب بطول 2,670 كم.

*​2. قاعدة “ثول” (أو بيتوفيك): العين التي لا تنام!*

يبرر الرئيس ترامب”احتلال” جزيرة غرينلاند المرتقب بحاجة الولايات المتحدة الأميركية لها!

ولكن في الواقع، لا تحتاج الولايات المتحدة الأميركية الى موطىء قدم “جديد” في حزيرة غرينلاند!

إذ ​تمتلك الولايات المتحدة بالفعل موطئ قدم استراتيجي في أقصى شمال الجزيرة، وهي قاعدة “ثول” الجوية (التي أعيد تسميتها في 2023 إلى قاعدة بيتوفيك الفضائية – Pituffik Space Base):

*​الموقع المتطرف:*

تقع الجزيرة على بعد 1,200 كم شمال الدائرة القطبية، وهي أقرب نقطة عسكرية أمريكية للقطب الشمالي ولروسيا.

*​الدور الاستراتيجي:*

تضم رادارات متطورة جداً كجزء من منظومة الإنذار المبكر من الصواريخ البالستية العابرة للقارات (ICBMs). هي “العين الحارسة” التي ترصد أي صاروخ ينطلق من روسيا أو الصين باتجاه أمريكا.

*​ميناء ومطار فريد:*

تضم القاعدة أبعد ميناء للمياه العميقة في الشمال، ومدرجاً للطائرات يعمل طوال العام رغم العزلة والجليد الذي يحيط بها لـ 9 أشهر.

*​3. الأسباب الحقيقية لاحتلال الجزيرة. والكنوز التي تجذب الرئيس “ترامب”، رجل العقارات والموارد والمصالح*

​بعيداً عن الجغرافيا، هناك “كنوز” تحت الجليد تجعل فكرة الاستحواذ مغرية اقتصادياً:

*أ – ​المعادن النادرة:*

يُعتقد أن جزيرة غرينلاند تمتلك أضخم احتياطات غير مستغلة من المعادن الضرورية لصناعة البطاريات والسيارات الكهربائية والمقاتلات (مثل الـ F-35).

*ب – ​السيادة على القطب:*

مع ذوبان الجليد، تفتح ممات ملاحية جديدة (الممر الشمالي الغربي). السيطرة على غرينلاند تعني السيطرة على “قناة سويس جديدة” في الشمال.

*ج – ​الأمن القومي:*

من وجهة نظر الرئيس ترامب، دفع 100 مليون دولار (كما عرض ترومان عام 1946) أو حتى مليارات الآن، هو استثمار رابح لتأمين أمريكا للأبد ضد التمدد الروسي.

يُعد الاحتباس الحراري المحرك الخفي والمأساوي في آن واحد الذي يعيد تشكيل أهمية غرينلاند.

فبينما يمثل ذوبان الجليد كارثة بيئية عالمية، إلا أنه من منظور “جيوسياسي” و”اقتصادي” بحت، يحول الجزيرة من سجن جليدي معزول إلى منجم مفتوح ومركز تجاري عالمي.

*كيف يسهل التغير المناخي السيطرة على موارد الجزيرة؟*

*​1. كشف “الكنوز المخبأة” (تعدين أسهل)*

​لطالما كان الجليد الذي يصل سمكه إلى 3 كيلومترات عائقاً مستحيلاً أمام التعدين. لكن مع تراجعه:

*أ – ​المعادن النادرة:*

بدأت تظهر صخور تحتوي على النيوديميوم والبرييوديميوم، وهي عناصر لا يمكن صناعة الهواتف الذكية، توربينات الرياح، أو محركات الطائرات من دونها.

*ب – ​النفط والغاز:*

تشير التقديرات إلى أن منطقة القطب الشمالي (وغرينلاند جزء منها) تحتوي على حوالي 13% من النفط و30% من الغاز الطبيعي غير المكتشف في العالم!

إن ذوبان الجليد البحري يجعل منصات الحفر قادرة على العمل لفترات أطول وبمخاطر أقل من اصطدام الجبال الجليدية.

*​2. ولادة “طريق حرير” قطبي:*

تفتح نتائج ​الاحتباس الحراري ممرات ملاحية كانت مغلقة تماماً طوال العام:

*الممر الشمالي الغربي:*

إن ذوبان الجليد يسمح للسفن بالعبور من المحيط الأطلسي إلى الهادئ فوق كندا وغرينلاند. هذا الطريق يختصر المسافة بنسبة 30% إلى 50% مقارنة بقناتي السويس وبنما.

إن ​من يسيطر على غرينلاند، يسيطر فعلياً على المحطات والخدمات اللوجستية لهذا الطريق التجاري الجديد.

*​3. “تخضير” الأرض (تغيير ديموغرافي):*

​مع ذوبان الجليد، تتحول أجزاء من الجزيرة إلى أراضٍ رطبة أو مناطق صالحة لبعض أنواع الزراعة والرعي التي لم تكن ممكنة سابقاً.

و​هذا يقلل من “تكلفة المعيشة” والاعتماد على الاستيراد، مما يجعل فكرة بناء مدن جديدة أو قواعد عسكرية دائمة أكبر أمراً واقعياً وليس مجرد خيال.

​ملاحظة: من نتائج الاحتباس الحراري أنه سيجعل جزيرة غرينلاند “تتحرك” حرفياً؛ فمع ذوبان الجليد، تخف الضغوط عن القشرة الأرضية، مما يؤدي لارتفاع اليابسة وتغير الإحداثيات الجغرافية والملاحية، وهذا يتطلب تحديثاً مستمراً للخرائط العسكرية.

*موقع جزيرة غرينلاند “الأميركية” بالنسبة للدول الأخرى!*

تقع جزيرة غرينلاند في موقع فريد يجعلها جسراً جغرافياً بين القارات، وبالرغم من أنها تابعة سياسياً لأوروبا (الدانمارك)، إلا أنها جغرافياً جزء من قارة أمريكا الشمالية.

​أما المسافات التقريبية (خط جوي) وأقرب النقاط بين غرينلاند وهذه الوجهات هي بحسب المصادر الجغرافية الحديثة كالتالي:

​1. تبعد عن القطب الشمالي (الأقرب على الإطلاق) حوالي 700 كم فقط من أقصى شمال الجزيرة. أما ​أقرب نقطة فهي “كافي كلوبن” (Kaffeklubben Island) في غرينلاند، وهي رسمياً أقرب نقطة يابسة في العالم إلى القطب الشمالي.

​2. تبعد عن الولايات المتحدة وكندا حوالي 2,500 كم (من نوك إلى نيويورك)، أما المسافة إلى ألاسكا، فهي تزيد عن 3,000 كم.

و​أقرب نقطة جغرافياً هي جزيرة إليسمير الكندية، حيث تفصلها عن غرينلاند قناة ضيقة تسمى “قناة نيرس” بعرض 26 كم فقط في بعض النقاط. هذا القرب الشديد هو ما يجعل غرينلاند “جارة لمركز قيادة أمريكا الشمالية”.

​3. تبعد عن روسيا حوالي 1,000 كم (عبر القطب الشمالي). و​أقرب نقطة إليها هي أرخبيل “فرانتس يوزيف لاند” (Franz Josef Land) التابع لروسيا. هذا القرب هو ما يفسر الأهمية العسكرية الفائقة لقاعدة “ثول” الأمريكية في غرينلاند لمراقبة الأجواء الروسية.

​4. تبعد عن الدانمارك (الدولة الأم سياسياً) حوالي 3,500 كم (بين العاصمة نوك والعاصمة كوبنهاغن). والوصول إليها يتطلب عبور المحيط الأطلسي، وهي مسافة طويلة جداً مقارنة بجيرانها في أمريكا الشمالية.

​5. تبعد عن بريطانيا (المملكة المتحدة) حوالي 2,100 كم (بين نوك ولندن). و​أقرب نقطة هي الطرف الشمالي لاسكتلندا (جزر شيتلاند)، وهو الأقرب إلى الساحل الجنوبي الشرقي لغرينلاند.

​6. تبعد عن آيسلندا (أقرب جار أوروبي) حوالي 300 كم فقط. وهي الأقرب لغرينلاند من أي دولة أوروبية أخرى، وتعتبر البوابة الرئيسية للرحلات الجوية إلى الجزيرة.

“متى عُرف السبب بطُل العجب!” ولكن إذا ما تجرأ الرئيس ترامب على غرينلاند بعد فنزويلا فهو يكون كسر بذلك آخر المحظورات للحضارة في العالم الحديث وآخر قواعد زمن ما بعد الحرب العالمية الثانية، في احتلال أرض “صديقة”!

ويدمر الرئيس ترامب بذلك إرث الرؤساء الأميركيين ويلسون وفرانكلين روزفلت وهاري ترومن في تأسيس عصبة الأمم، والأمم المتحدة لحماية العالم من الإعتداءات!

ولكن ذلك العالم، يبدو وكأنه لا يشبه العالم الذي يعيش به الرئيس ترامب اليوم! وهو ما سيفتح أكثر من شهية لإعادة تشكيل كل الجغرافيا في العالم!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى