ضمير لبنان الجريح – بقلم الدكتور نزار دلول

 

‎في لحظات الشدة الكبرى، حين تضرب المصائب الأمم وتُحرق بيوتها وتُدمَّر مدنها، ينبري الإنسان السوي إلى فطرته الأولى؛ فيطوي خلافاته، ويُسكت أحقاده، ويمد يده إلى أخيه الإنسان بصرف النظر عن لونه أو دينه أو رأيه. هذا ما فعلته الشعوب العظيمة عبر التاريخ: توحّدت أمام العدوان، وجعلت من وطنها درعاً واحدة لا ألف درع متشقّقة.

‎لكن لبنان، هذا البلد الذي أنجب شعراء الحب والكلمة، والذي رفع راية الحرية والتعايش أمام العالم، يأبى إلا أن يكون استثناءً مؤلماً. فحين تحترق القرى وتسقط القذائف على رؤوس الأبرياء، ثمة من يجلس في غرف مغلقة يُدقق في حسابات قديمة، ويُعيد رسم خرائط النفوذ، ويُحوّل دم الضحايا إلى ورقة ضغط أو رصيد انتخابي. وكأن الجرح لم يكفِ، فلا بد من جرح فوق جرح.

 

الحرب الأهلية: حين أكلنا بعضنا خمسة عشر عاماً

‎لعل أشد الجروح فداحةً في الذاكرة اللبنانية تلك الخمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية بين عامَي 1975 و1990. لم تكن حرباً بالمعنى الكلاسيكي بين شعب وعدوه، بل كانت مذابح متبادلة بين أبناء الوطن الواحد. في صبرا وشاتيلا سقط المئات من الأبرياء، لكن العار لم يوقف أحداً عن المضي في الحرب. في الجبل تهجّرت قرى بأكملها، وفي بيروت قُسّمت بخط أخضر كأنها مدينتان على كوكبين مختلفين.

‎لكن الأشد إيلاماً من كل ذلك، والأكثر كشفاً لحقيقة ما نحن عليه، هو أن أبناء الطائفة الواحدة لم يتوانوا عن سفك دماء بعضهم حين اقتضت الحسابات ذلك. فبين عامَي 1989 و1990 اندلعت “حرب الإلغاء” الشهيرة، حيث تقاتل الجيش اللبناني بقيادة ميشال عون والقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، وكلاهما يرفع راية المسيحية ويدّعي تمثيلها. شارع واحد، كنيسة واحدة، أيقونة واحدة على الجدار، وبنادق متقابلة. لم يكن الهدف تحرير الوطن ولا الدفاع عن الطائفة، بل كان الهدف إلغاء الآخر من المشهد السياسي، ولو على جثث أبناء الحي الواحد.

‎ولم يكن المسيحيون وحدهم في هذا المشهد المأساوي؛ فعلى الضفة الأخرى اندلعت حرب المخيمات وسالت الدماء الفلسطينية بأيدي لبنانية وفلسطينية على حدٍّ سواء. وفي الجنوب وبيروت شهدنا الاقتتال الشرس بين حركة أمل وحزب الله، شيعةٌ يقتلون شيعة، في معارك طاحنة كان يمكن لأبطالها أن يكونوا في الخندق ذاته. حتى الحلفاء باتوا أعداء حين تعارضت المصالح وتنافست الزعامات.

‎كانت رسالة تلك الحقبة الدموية صريحةً ومدوّية: نحن لا نتقاتل دفاعاً عن الله ولا عن الوطن، بل نتقاتل دفاعاً عن زعيم يريد أن يبقى وحده في الساحة. والمدني الذي يُقتل في هذه الحرب لا يُستشهد بل يُستهلك.

‎والمفارقة المُرّة أن كثيراً من الذين أشعلوا تلك الحرب أو شاركوا فيها ما زالوا يتربّعون على كراسي السلطة حتى اليوم، يُحكمون قبضتهم على الدولة التي دمّروها بالأمس، ويُعلّموننا كيف نكون لبنانيين.

حرب تموز 2006: الوطن يحترق والحسابات لا تتوقف

‎في صيف عام 2006، هوت قنابل إسرائيل على لبنان من الجنوب إلى الضاحية إلى البقاع، ودُمّر ما بُني بشق الأنفس. كان يمكن لهذه المأساة أن تكون لحظة تأسيسية تجمع اللبنانيين على قلب رجل واحد. وللحظة قصيرة بدا أن شيئاً من ذلك يحدث؛ فتطوّع شباب من كل المناطق لإغاثة النازحين، وفتحت مدارس وكنائس ومساجد أبوابها للمشرّدين بغض النظر عن انتماءاتهم.

‎لكن الحبر السياسي كان أسرع من الدم المسفوك. فما إن وضعت الحرب أوزارها حتى انقسم اللبنانيون على أنفسهم: هل كانت هذه الحرب “مغامرة” أم “انتصاراً إلهياً”؟ من تسبّب بها؟ من يملك حق القرار في الحرب والسلم؟ غرق لبنان في سجال عقيم، فيما لم يُبنَ بيت واحد من بيوت المدمّرة دون أن يصبح جزءاً من لعبة نفوذ طائفية.

7 أيار 2008: حين وُجّه السلاح إلى الداخل

‎ربما كانت أحداث السابع من أيار 2008 الجرح الأعمق في وجدان الدولة اللبنانية؛ ذلك اليوم الذي حوّل سلاحٌ كان يُشهَر باسم المقاومة بنادقَه نحو صدور اللبنانيين أنفسهم في بيروت والجبل. قُتل مواطنون، واحتُلّت أحياء، وأُحرقت مكاتب إعلامية، وأُهين الجيش. ثم جاء “اتفاق الدوحة” ليضع جميع المسؤولين خلف ستار الوحدة الوطنية المزيّفة، مانعاً أي محاسبة أو اعتراف حقيقي بما جرى. ذلك اليوم علّمنا أن الإفلات من العقاب في لبنان لا يُشجّع على المصالحة، بل يُشجّع على التكرار.

ثورة 17 تشرين 2019: بريق خُبئ سريعاً

‎في أكتوبر 2019، وقف لبنان للحظة على حافة معجزة. خرج اللبنانيون من كل الطوائف والمناطق إلى الشوارع يهتفون: “كلن يعني كلن”. في طرابلس السنّية وصور الشيعية والأشرفية المسيحية، صوت واحد ومطلب واحد؛ دولة نظيفة لكل أبنائها. كان مشهداً لم يره لبنان منذ عقود، كأن الوطن تذكّر نفسه فجأة.

‎لم تمض أسابيع حتى تكشّفت الأقنعة. أحزاب السلطة أرسلت عناصرها لتكسير الخيم وتخويف المتظاهرين. قُسّمت الثورة طائفياً، واتُّهم المتظاهرون بالعمالة والتآمر بحسب هوياتهم. وما أن جاء وباء كوفيد ثم انفجار المرفأ حتى كاد يُنسى أن تلك الجماهير كانت تحلم بشيء مختلف.

انفجار المرفأ 4 آب 2020: الجريمة الكبرى والحماية الأكبر

‎في الرابع من أغسطس 2020، انفجر مرفأ بيروت بما يعادل زلزالاً يُدمَّر عاصمة بأكملها. أكثر من مئتي قتيل، وآلاف الجرحى، وعشرات الآلاف المُشرَّدين. لم يكن ما جرى قدراً ولا حادثة عمياء، بل كان نتيجة سنوات من الإهمال المتعمّد والفساد المنظَّم والمحاصصة الطائفية التي جعلت الدولة عاجزة حتى عن حماية مواطنيها من نيترات الأمونيوم المُخزَّن بجهل ولامبالاة.

‎ماذا فعل الزعماء؟ أحكموا الإمساك بالتحقيق القضائي، وعطّلوه، وسرّبوه، وطعنوا في القاضي الذي تجرّأ على الاقتراب من الحقيقة. حُمي كبار المسؤولين بالحصانات الطائفية والسياسية، وترك الضحايا يبكون أمواتهم دون أي عدالة. لبنان البلد الوحيد في العالم الذي يُفجَّر فيه مرفأ عاصمته ولا يُحاسَب أحد.

حرب 2024: التاريخ يُعيد نفسه بشكل أكثر قسوة

‎في عام 2024، عاد لبنان ليدفع فاتورة قرارات لم يشارك أكثر اللبنانيين في اتخاذها. ودُمّرت قرى وأحياء بأكملها، ونزح مئات الآلاف، وكُتب على الجدران من جديد ذلك السؤال المُعلَّق في الهواء منذ عقود: من يقرر الحرب والسلم في هذا البلد؟ ومن يتحمّل تبعاتها؟

‎لكن حتى في خضم هذا الكارثة، لم تتوقف آلة التوظيف الطائفي: بعض الأطراف رأى في تهجير الجنوبيين فرصة لتغيير الديموغرافيا، وبعضهم حوّل مآسي النازحين إلى أداة للضغط التفاوضي، وبعضهم الآخر أدار ظهره باسم الحياد الذي هو في حقيقته جبن مُقنَّع. والنازح من قرية حُرقت لا يسأل عن مذهب من يمد إليه يد العون؛ هو يسأل فقط: لماذا ضاع وطني؟

درس الشعوب التي أحبّت أوطانها

‎حين غزت قوات هتلر بريطانيا بقنابلها في حصار لندن، لم يخرج البريطانيون يتناحرون على هوية الضحايا. التفّوا حول وطنهم وقاتلوا كبريطانيين. وفي فنلندا، حين هاجمها الاتحاد السوفيتي عام 1939 بجيش يفوقها عشرات المرات، خرج الفنلنديون من كل مدنهم وقراهم ومذاهبهم يقاومون معاً في “حرب الشتاء”، وأدهشوا العالم. لم يسألوا بعضهم: هل أنت لوثري أم أرثوذكسي؟ سألوا: هل أنت فنلندي؟

‎لبنان ليس استثناءً جغرافياً أو بشرياً. أبناؤه ليسوا أقل شجاعةً أو حكمةً أو محبةً من سواهم. لكنهم يُجرَّدون منذ الولادة من هويتهم الوطنية الأولى، ويُزرع فيهم بدلاً منها هوية الطائفة والمذهب والزعيم. يُعلَّمون كيف يخافون الآخر قبل أن يتعلّموا كيف يُحبّوا أنفسهم.

أن تكون لبنانياً… قبل كل شيء

‎لبنان لا ينقصه الوطنيون بالكلام؛ بل يفيض بهم. لكنه يشحّ بالوطنيين في الفعل؛ بأولئك الذين حين تأتي لحظة الاختبار يضعون الوطن فوق الزعيم، والإنسان فوق الطائفة، والغد المشترك فوق الأحقاد الموروثة.

أن تكون وطنياً حقيقياً في لبنان لا يعني أن تُردد النشيد الوطني بدموع حارة، ولا أن تُزيّن جدران غرفتك بخريطة الأرز. يعني أن تنظر إلى مواطنك من الطرف الآخر فترى فيه شريكاً في المصير لا خصماً في الوجود. يعني أن تتألّم لجراحه كما تتألّم لجراحك. يعني أن تقول “لا” حين يحاول زعيمك أن يُحوّل مأساة بلدك إلى مكسب لحزبه.

الإنسانية درس لم نتعلّمه بعد

‎ما زلنا في المدرسة الأولى، نحن اللبنانيين. ما زلنا نتعثّر في دروس الإنسانية الأوّلية التي أتقنتها شعوب كثيرة قبلنا بثمن باهظ من الدم والدمار. الثمن أمامنا واضح، ندفعه كل يوم بأرواح أبنائنا وبهجرة شبابنا وبانهيار ما بنيناه.

‎ووجعنا المضاعف أننا نعرف كل هذا. نعرف من يستغلنا، ونعرف من يُفقّرنا، ونعرف من يُفجّر مرافئنا ويعيش في قصوره. لكننا كل مرة نعود ونصوّت لهم، أو نصمت على جرائمهم، أو نُسوّغ لأنفسنا طاعتهم بحجة أن الطرف الآخر أسوأ. وهكذا يُعاد إنتاج الكارثة.

‎السؤال ليس: متى يرحم الله لبنان؟ السؤال هو: متى يرحم اللبنانيون لبنان؟

‎متى نقرر أن الوطن أكبر من زعيم، وأن الإنسان أغلى من موقف، وأن الأرض التي تجمعنا في الحياة ستجمعنا في الموت؛ فلنكن أجدر بها حين نكون أحياء؟

‎ذلك اليوم، حين يأتي، سيكون لبنان قد بدأ أخيراً يتعلّم أن يكون.

 

الخلاصة المُرّة: نحن قبائل في جغرافيا اسمها لبنان

‎بعد كل ما رأيناه وعشناه وبكيناه، آلمني أن أصل إلى قناعة كنت أتهرّب منها طويلاً، وأرفض الاعتراف بها لأنها تكسر شيئاً جميلاً في الروح: نحن لسنا شعباً. نحن قبائل متجاورة تصادف أنها تعيش على رقعة جغرافية واحدة يُسمّيها العالم لبنان. الولاء عند أكثرنا لم يكن يوماً للوطن بمعناه الجامع؛ بل كان للقبيلة، للطائفة، للزعيم، وأحياناً لعواصم بعيدة تدفع الرواتب وتُوزّع الرايات.

‎”لبنان” بالنسبة لكثيرين منّا ليس هويةً جامعة بل مسرحٌ للتنافس القبلي. حين يُهدَّد الشيعي يلجأ إلى طائفته، وحين يُضغط على السنّي يحتمي بمرجعيّته، وحين يشعر المسيحي بالخطر يُحصّن نفسه في جبله. لا أحد يلجأ إلى الدولة لأن الدولة وهم مشترك لم نتفق على بنائه يوماً، بل تقاسمنا أنقاضها وسمّينا ذلك حكماً.

‎هذه ليست رغبةً في الإحباط، ولا استسلاماً أمام القدر. هي تشخيص صادع لمرض ظللنا نُسمّيه بأسماء أخرى هرباً من مواجهته. ولن يبدأ العلاج إلا بجرأة الاعتراف: نعم، نحن قبائل. والسؤال الوجودي الحقيقي الذي يواجهه جيل اليوم هو: هل نريد أن نبقى كذلك، أم أن نختار، لأول مرة في تاريخنا الحديث، أن نكون شعباً؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى