الحب في زمن الحرب الأهلية بلبنان.. كيف تدخلت الجبهات في الزواج والعلاقات؟

استمرت الحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان عام 1975 نحو 15 عامًا، وكانت خلالها الجبهات مشتعلة وأعداد الضحايا في ارتفاع. ومع ذلك، ظل الناس يقعون في الحب، ويُقبلون على الزواج، ويُفكرون في الإنجاب، كأنهم يتمسكون بالحياة وسط مشهد يتداعى من حولهم.
زوجان يوم زفافهما قرب منزلهما في بيروت الشرقية عام 1989 بين السواتر والبراميل
لم يكن ذلك سهلًا، لكنه حصل. ففي بعض المناطق سمحت الظروف بإقامة حفلات زفاف متواضعة، فيما منعت مناطق أخرى أي مظهر من مظاهر الفرح. ودخلت نساء كثيرات مرحلة المخاض في أماكن خطرة، حتى بدت نجاة الأم وجنينها في أحيان كثيرة أشبه بمعجزة.
صمدت رغبة الناس في بناء مستقبل، رغم الواقع القاسي. كان كل شيء من حولهم ينهار، ومع ذلك ظل هناك من يختار الحب، ويحاول أن يفتح للحياة نافذة وسط المتاريس وخطوط التماس.
غير أن الأمر لم يكن ورديًا على نحو كامل. فالحرب لم تكن حدثًا عامًا يدور خارج البيوت فقط، إذ دخلت إلى العلاقات نفسها، وأثرت في شكل الاختيار، وإمكانية الانتظار، وفرص اللقاء، وقرارات الزواج، وحدود المقبول داخل العائلة والبيئة.
كما أنّ الحب لم يكن معزولًا عن الجغرافيا ولا عن السياسة، والطريق إلى الحبيب كان يمر كثيرًا عبر الحواجز العسكرية. فهناك، حيث يمكن أن يصبح الاسم عبئًا بسبب الفرز الطائفي والسياسي، قد تتحول المنطقة إلى مانع، وإلى سبب للتباعد بين الأحبة. وكثيرًا ما كان القرار الشخصي يتحول إلى اختبار يتجاوز العاطفة نفسها، ليصل إلى سؤال الهوية والانتماء والمصير.
التعارف خارج عن المألوف
إذا كان المألوف أن تبدأ قصص الحب في الحي أو الجامعة أو العمل، فإن شرارتها الأولى في زمن الحرب قد تنطلق خلال النزوح، أو عند عبور أحد الحواجز، أو داخل ملجأ من الملاجئ.
ولأن الحروب تغيّر ظروف لقاء الناس، وتترك مساحة واسعة للمصادفة، فإنها تؤثر أيضًا في شكل العلاقات التي تنشأ بينهم. ومع اشتداد المعارك، يتحول اللقاء بين الحبيبين إلى خليط من الخوف والنجاة، ومن التعلق المفاجئ والإحساس الدائم بأن كل شيء قابل للانقطاع.
وربما لأن العاطفة تتشكل هنا تحت ضغط لا يشبه الظروف الطبيعية، فإنها تكشف الهشاشة البشرية بسرعة، وتقرّب الناس من بعضهم في لحظات قاسية لا متسع فيها لكثير من التردد أو الأقنعة.
الحب والحواجز العسكرية
في الحرب الأهلية اللبنانية، لم تكن الحواجز مجرد نقاط أمنية، إذ كانت أيضًا تعبيرًا عن فرز نفسي واجتماعي وطائفي.
وقد عقد وجودها العلاقات العاطفية والاجتماعية، لا سيما تلك العابرة للمناطق والطوائف والأحياء المتخاصمة. فالطريق إلى اللقاء لم يكن مضمونًا، وقد تتحول الهوية نفسها إلى عبء ثقيل.
لهذا، فإن ما كان مألوفًا في الزواج المختلط مناطقيًا أو طائفيًا في وقت سابق، صار في زمن الحرب يواجه ضغوطًا إضافية. ومن بين العوائق التي استجدت أو تعاظم تأثيرها: اعتراض العائلات، والخوف من الانتقال، والقلق المرتبط بالانتماء، والخشية من نظرة البيئة المحيطة.
زيجات تحت القصف
في زمن الحرب الأهلية اللبنانية أيضًا، لم تتوقف الزيجات. فقد تزوج كثيرون، وبعضهم عجّل قراره لأن الحياة بدت أقصر من أن تُؤجل.
كما أقام بعضهم أعراسًا متواضعة في بيت، أو ملجأ، أو كنيسة، أو مسجد، أو قاعة أصغر مما حلموا به. وكان الزواج في تلك الظروف أكثر من مناسبة اجتماعية؛ كان إعلانًا واضحًا عن التمسك بالاستمرار، وعن رغبة عنيدة في انتزاع لحظة حياة من قلب الخراب.
تحوّل الزواج في سنوات الحرب، لدى كثيرين، إلى إعلان عن التمسك بالحياة وسط الخراب.
وفي المقابل، فُرضت أحيانًا علاقات بدافع الحماية، أو قرب المسافة، أو الخوف من المستقبل، أو الرغبة في تثبيت الانتماء داخل البيئة القريبة.
وفي حالات أخرى، أُجهضت علاقات لأن الحرب جعلت الاختلاف أكثر حساسية، أو لأن التنقل صار خطرًا يوميًا، أو لأن الزواج من خارج الدائرة الضيقة بدا مغامرة تفوق ما تستطيع العائلات احتماله.
العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى