نشرت الفيديو الأخير ثم أنهت حياتها… السوشيل ميديا كساحة رسائل مبطّنة

 

بين صمت الواقع وضجيج المنصات الرقمية، تكشف قصة رولا البعيني جانبًا مقلقًا من الاستخدام المتنامي لمواقع التواصل، حيث تتحوّل بعض المنشورات إلى إشارات تحذيرية قد لا تُقرأ في الوقت المناسب.

وفي التفاصيل، نشرت الشابة رولا البعيني في الفترة الأخيرة مقاطع فيديو عبر “تيك توك”، ظهرت فيها وهي تطلب المساعدة وتعكس معاناة نفسية واضحة. وقد لاحظ المتابعون تغيّرًا تدريجيًا في محتوى حسابها، بدءًا من منشورات عادية وصولًا إلى رسائل مبطّنة، قبل أن تبلغ ذروتها في فيديو أخير ألمحت فيه إلى نيتها إنهاء حياتها. وبعد فترة وجيزة، عُثر عليها متوفّاة، في حادثة أعادت تسليط الضوء على خطورة الإشارات الرقمية المرتبطة بالصحة النفسية، وأكدت أهمية التعامل الجدي مع هذا النوع من الرسائل.

في هذا السياق، أوضحت الاختصاصية النفسية رولا الحاج، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أنّ “الحالات المشابهة لا تنشأ من عامل واحد، بل نتيجة تداخل عوامل نفسية واجتماعية معقّدة تدفع الشخص إلى اللجوء إلى مواقع التواصل الاجتماعي قبل الإقدام على إنهاء حياته”.

وأشارت إلى أنّ “الشخص غالبًا ما يكون يعيش صراعًا داخليًا حادًا، بين رغبته في إنهاء معاناته، وبين أمل خفي بأن يتدخل أحد لإنقاذه”، مضيفة أنّ “الإنترنت بات بالنسبة لكثيرين الملاذ الوحيد، خصوصًا لمن يفتقدون إلى شبكة دعم اجتماعي حقيقية، ما يجعلهم يلجأون إلى الجمهور الافتراضي طلبًا للمساعدة أو لفت الانتباه”.

وتابعت أنّ “هذا السلوك قد يكون أحيانًا محاولة صريحة لطلب النجدة، أو نتيجة شعور بعدم الإصغاء من المحيط القريب، ما يدفع الشخص إلى البحث عن من يسمعه عبر المنصات الرقمية”، لافتة إلى أنّ “التأثر بمحتوى وسائل التواصل أو تجارب سابقة، سواء في الواقع أو عبر الإنترنت، قد يلعب دورًا في تكوين هذا المسار”.

وشدّدت الحاج على أنّ “من يقدم على هذه الخطوة لا يكون بالضرورة راغبًا بالموت بحد ذاته، بل يسعى إلى إنهاء الألم النفسي العميق الذي يعيشه، سواء كان ناتجًا عن فقدان، أو صدمة، أو اكتئاب، أو ضغوط متراكمة”، معتبرة أنّ “الشعور بانعدام الحلول الواقعية قد يدفع الشخص إلى اعتبار هذا الخيار مخرجًا وحيدًا”.

وفي ما يتعلق بتفاعل الجمهور، حذّرت من “خطورة الاستهزاء أو التعامل مع هذه الحالات كنوع من التحدي”، مؤكدة أنّ “ذلك قد يفاقم الوضع ويدفع الشخص إلى مزيد من الانهيار”، ودعت إلى “التعاطي مع هذه الإشارات بجدية تامة، عبر محاولة التواصل مع الشخص أو مع محيطه، والعمل على تأمين بيئة آمنة له وإبعاده عن أي وسائل قد تشكّل خطرًا عليه”.

وأضافت أنّ “التدخل المباشر مع شخص يمرّ بخطر حقيقي يحتاج إلى كثير من الدقة، لأن طريقة الكلام قد تصنع فارقًا كبيرًا في تلك اللحظة”، مشيرة إلى أنّ “المقاربة الخاطئة أو العبارات القاسية من نوع: “ماذا تفعل بنفسك؟” قد تزيد شعوره بالضغط بدل أن تهدّئه”. ولفتت إلى أنّ “الادعاء بفهم كامل ما يعيشه قد لا يكون دقيقًا، لأن أحدًا لا يعرف تمامًا حجم الأسباب التي أوصلته إلى هذا الحد”، مؤكدة أنّ “الأفضل مخاطبته بهدوء وبكلمات تطمئن، مثل الإشارة إلى أنّ ألمه مفهوم، وأنه في أمان، وأنه ليس وحده في تلك اللحظة”.

وأوضحت أنّ “الأولوية يجب أن تكون لتأمين الاحتياجات الأساسية والسلامة الفورية، وترك المجال له للكلام إذا أراد، من دون الضغط عليه أو استفزازه أو الاستخفاف بما يشعر به”، مضيفة أنّ “الرسالة الأهم التي يجب أن تصله هي: “أنت الآن بأمان، أنا باقٍ إلى جانبك، وإذا أردت أن تتكلم فأنا هنا، وسنعالج الأمور خطوة خطوة””، ومشددة على أنّ “الهدف في تلك اللحظة هو احتواؤه ومرافقته لا إغراقه في التفاصيل أو دفعه إلى مزيد من الانسحاب”.

وأشارت إلى وجود “علامات تحذيرية تسبق هذه الحالات، منها الانعزال التدريجي، توديع المحيطين، نشر محتوى مرتبط بالموت أو الحزن، أو التلميح إلى وسائل محددة لإنهاء الحياة، إضافة إلى تصفية الممتلكات أو كتابة رسائل وداع”.

وختمت بالتشديد على أنّ “الأولوية القصوى في مثل هذه الحالات هي ضمان سلامة الشخص وإبعاده عن الخطر، قبل الانتقال إلى مراحل العلاج والدعم النفسي”، مؤكدة أنّ “التدخل المبكر والتعامل الإنساني الواعي قد يُحدثان فارقًا حقيقيًا في إنقاذ حياة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى