ربع لبنان تحت ضغط الجوع.. والمساعدات أبطأ من الأزمة

لم تعد الأزمة الاجتماعية في لبنان قابلة للقراءة من زاوية الفقر وحده. فالأرقام الجديدة تكشف انتقال البلاد إلى مرحلة أكثر خطورة، عنوانها تراجع القدرة على تأمين الغذاء، واتساع دائرة العائلات التي لم تعد قادرة على الصمود من دون دعم إنساني سريع ومنظّم.
فبحسب أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، ارتفع عدد الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي في لبنان إلى نحو 1.24 مليون شخص، أي ما يقارب ربع السكان المشمولين بالتحليل، بين نيسان وآب 2026. وهذه النسبة تمثل تراجعاً واضحاً مقارنة بالمرحلة الممتدة بين تشرين الثاني 2025 وآذار 2026، حين كان العدد يقدّر بنحو 874 ألف شخص، أي حوالى 17 في المئة.
الأخطر أن هذه الأزمة لا تطال فئة واحدة. فالمشهد يشمل اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين والمجموعات الوافدة حديثاً من سوريا منذ العام 2024. وتشير أرقام التحليل إلى أن 725 ألف لبناني، و362 ألف لاجئ سوري، و104 آلاف لاجئ فلسطيني يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، ما يجعل الملف اجتماعياً وإنسانياً ووطنياً في آن واحد.
وتتداخل الحرب مع الانهيار الاقتصادي لتوسيع رقعة الخطر. فالنزوح، فقدان فرص العمل، ارتفاع أسعار الغذاء والمحروقات، وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل دفعت عائلات كثيرة إلى تقليص نوعية الطعام وكميته، أو الاستدانة، أو بيع ما تبقى لديها من ممتلكات أساسية. وبحسب منظمة الأغذية والزراعة، فإن مناطق بنت جبيل ومرجعيون وصور والنبطية تسجل التدهور الأشد، بفعل النزوح وتعطل الأسواق، تليها بعلبك الهرمل.
وتشير المعطيات المتداولة حكومياً وإعلامياً إلى أن نسبة الذين يحتاجون استجابة إنسانية سريعة ارتفعت من 18 في المئة إلى 24 في المئة، في مشهد يعيد إلى الذاكرة ظروف حرب العام 2024. لكن الفارق هذه المرة أن قدرة لبنان على امتصاص الصدمة تبدو أضعف، فيما حجم المساعدات لا يوازي سرعة التدهور. فمنذ اندلاع الحرب في 2 آذار، لم يصل لبنان، وفق هذه المعطيات، سوى ما قيمته 240 مليون دولار من مساعدات، إضافة إلى 16 قافلة عينية براً وبحراً وجواً، مقارنة بـ111 قافلة خلال حرب الـ66 يوماً في العام 2024.
هذا التراجع في وتيرة الدعم يطرح سؤالاً أساسياً: هل يستطيع لبنان إدارة أزمة اجتماعية واسعة إذا توسعت الحرب مجدداً؟ فالمشكلة لم تعد محصورة بالنازحين في مراكز الإيواء، بل بدأت تمتد إلى عائلات خارج هذه المراكز، تعيش على هامش الفقر وتواجه يومياً كلفة الغذاء والنقل والدواء. ومع ارتفاع الحديث عن فقر يلامس 40 في المئة، يصبح الأمن الغذائي مؤشراً إلى ما هو أبعد من الحاجة إلى حصص غذائية، أي إلى هشاشة البنية الاجتماعية نفسها.
وفي موازاة ذلك، تؤكد تقارير دولية أن الحرب ضربت القطاع الزراعي في لحظة كان لا يزال يحاول التعافي من حرب 2024. وقد أوردت “رويترز” أن أكثر من 76 في المئة من مزارعي الجنوب نزحوا، وأن 22 في المئة من الأراضي الزراعية تضررت، فيما يحتاج القطاع، وفق وزير الزراعة نزار هاني، إلى سنوات للتعافي.
ومع أن الاتحاد الأوروبي أعلن في آذار الماضي تكثيف استجابته الإنسانية للبنان عبر جسر جوي نقل مساعدات طبية وغذائية ومستلزمات أساسية، فإن حجم الحاجات يتجاوز قدرة المبادرات المتفرقة. فالمفوضية الأوروبية نفسها تحدثت عن أكثر من مليون نازح نتيجة التطورات الأخيرة، وعن حاجات إنسانية متزايدة في بلد كان أساساً يعيش وضعاً هشاً.
هكذا، يجد لبنان نفسه أمام معادلة صعبة: أزمة غذاء تتسع، حرب تضغط، اقتصاد منهك، ودعم خارجي دون مستوى الحاجات. وإذا لم يتحول النداء الإنساني المقبل إلى خطة تمويل فعلية وسريعة، فإن الأشهر المقبلة قد لا تحمل مجرد ارتفاع إضافي في نسب الفقر، بل انتقال شريحة واسعة من السكان من مرحلة الضيق المعيشي إلى مرحلة العجز عن تأمين الحد الأدنى من الغذاء.

المصدر:اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى