الدورة الاقتصادية بلا أعراس هذا الصيف

في الذاكرة الاجتماعية اللبنانية، كان الزفاف حدثًا شبه مقدّس في دورة الحياة العائلية. لم يكن مجرّد مناسبة احتفالية، بل محطة تُقاس بها مكانة العائلة واستقرارها، وتُجهّز لها الاستعدادات قبل أشهر طويلة، من حجز صالات الأفراح إلى تجهيز القاعات والفرق الموسيقية والضيافة والهدايا. كان العرس “مسلمة اجتماعية” لا تُناقش، ومرحلة لا بدّ منها في كل بيت، مهما كانت الظروف الاقتصادية.

تغيّر المشهد الاجتماعي جذريًا في لبنان، بسبب الضغوطات الاقتصادية المستجدة، سيما تلك الناتجة عن الحرب التي بدأت في آذار الماضي، ولا تزال مستمرة. لم يعد الزواج مرتبطًا تلقائيًا بحفل ضخم، بل أصبح في كثير من الحالات قرارًا اقتصاديًا بحتًا. فبدل أن يكون السؤال: “أين سنقيم العرس؟”، بات السؤال الأهم: “أين سنسكن؟ وهل نستطيع تحمّل الإيجار أو شراء منزل؟”. ومع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة، تحوّل حفل الزفاف من ضرورة اجتماعية إلى خيار يمكن الاستغناء عنه أو تقليصه إلى الحد الأدنى، وأحيانًا استبداله بعقد مدني بسيط أو احتفال عائلي صغير جدًا.

 

انعكاسات اقتصادية 

 

هذا التحول لم يمرّ من دون أثر اقتصادي مباشر. حفلات الأعراس كانت تشكّل “دورة مالية” متكاملة تنعش عشرات القطاعات في وقت واحد. ومع تراجعها، بدأت سلسلة من التأثيرات تظهر بوضوح:

صالات الأفراح: وهي الأكثر تضررًا، إذ شهدت تراجعًا ملحوظًا في عدد الحجوزات، وتحوّل جزء كبير من الأعراس إلى مناسبات صغيرة أو منزلية.

شركات تنظيم الحفلات (Event Planners): فقدت جزءًا كبيرًا من سوقها التقليدي.

التصوير والفيديو: تراجع الطلب على الباقات الفاخرة لصالح خدمات محدودة أو رقمية بسيطة.

المطاعم وخدمات الضيافة: التي كانت تستفيد من الولائم الكبيرة، باتت تعتمد أكثر على مناسبات أصغر أو طلبات فردية.

محال فساتين الزفاف والبدلات: شهدت انخفاضًا في المبيعات أو توجهًا نحو التأجير بدل الشراء.

محلات الزينة والورود والهدايا: تأثرت بشكل غير مباشر نتيجة تقليص حجم المناسبات.

اقتصاديًا، يمكن القول إن كل عرس كان يخلق “حركة مالية مصغّرة” تمتد من عشرات الأشخاص والقطاعات، ومع تقلص هذه الحركة، تراجع معها جزء من الاقتصاد الخدماتي المرتبط بالمناسبات الاجتماعية.

شهادات من الميدان

يقول أحد أصحاب صالات الأفراح (فضّل عدم ذكر اسمه): “كنا نحجز كل عطلة نهاية أسبوع قبل أشهر. اليوم، تمرّ أسابيع بلا حفل واحد. الأعراس الكبيرة أصبحت نادرة، وإذا حصلت تكون بعدد مدعوين محدود جدًا”.

يضيف: “بعض الصالات بدأت تبحث عن بدائل مثل استضافة مؤتمرات أو حفلات صغيرة أو فعاليات شركات لتعويض الخسائر”.

في المقابل، يروي شاب قرر الزواج من دون حفل كبير: “كان بإمكاني أن أقيم عرسًا كبيرًا، لكن بدل ذلك فضّلنا أن نوفر المال للسكن. الإيجار اليوم يشكّل عبئًا حقيقيًا، وفضلنا أن نبدأ حياتنا بدون ديون وضغوط اجتماعية”.

هذه الشهادات تعكس تحوّلا في الذهنية: من “العرس كاستحقاق اجتماعي” إلى “الاستقرار المعيشي كأولوية قصوى”.

ما الذي تغيّر فعليًا؟

لا يمكن فصل تراجع الأعراس عن الواقع الاقتصادي العام في لبنان. ارتفاع أسعار السكن، تراجع الدخل، عدم الاستقرار المالي، وغياب الأمان الاقتصادي المستقبلي، كلها عوامل دفعت الشباب إلى إعادة ترتيب الأولويات. لم يعد المظهر الاجتماعي أهم من القدرة على الاستمرار، ولم يعد “يوم واحد من الفرح” مبررًا لتحمل ديون تمتد لسنوات.

وفي المعلومات، أن واحدة من المشاكل المستجدة في ملف الأعراس، تلك المرتبطة بالحجوزات التي كان يقوم بها لبنانيون يعملون في الخارج، لموسم الصيف. هذه الحجوزات يتم الغاؤها تباعاً، ومن الواضح ان موسم الصيف والأعراس، والذي كان يساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية، سيكون جافاً هذا العام، وستخسر قطاعات كثيرة مرتبطة بالأعراس، حفنة كبيرة من الدولارات التي كانت تدخل الى الدورة الاقتصادية، الى جانب الايرادات السياحية التي تبدو كلها مهددة هذا العام بسبب الحرب.

تراجع الأعراس في لبنان ليس مجرد تبدّل في العادات، بل هو مؤشر اقتصادي واجتماعي عميق. إنه يعكس انتقال المجتمع من ثقافة الاستهلاك الاجتماعي المرتبط بالمظاهر، إلى ثقافة أكثر حذرًا وواقعية تضع السكن والاستقرار المالي في المقدمة. وبينما تخسر بعض القطاعات نشاطها التقليدي، يظهر واقع جديد يعيد رسم مفهوم الزواج نفسه: من احتفال واسع إلى قرار اقتصادي مدروس.

رماح الهاشم -نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى