
لم يكن عبدالله درويش ينتظر سوى لحظة واحدة منذ أشهر طويلة: أن يسمع صرخة طفله الأول، وأن يخرج إليه أحد الأطباء ليبلغه أن ابنه بخير. لكن ما حدث داخل مستشفى شتورة، وفق روايته، حوّل حلم الأبوة إلى مأساة مفتوحة على أسئلة طبية وقانونية حساسة، وسط تبادل اتهامات بين أطباء، وشكوك متزايدة لدى العائلة بشأن احتمال وقوع خطأ طبي أدى إلى وفاة المولود.
بحسب الأب عبدالله درويش، بدأت القصة منذ الأشهر الأولى للحمل، عندما راجع مع زوجته الطبيبة المشرفة على الحمل، التي أبلغتهما بأن الحمل “عالي الخطورة” بسبب معاناة الزوجة من داء السكري.
ويقول درويش في حديث إلى “ليبانون ديبايت”: “توجّهنا إلى الدكتورة التي بشّرتنا بالحمل، لكنها قالت إن الحالة عالية الخطورة. وأبلغتنا أن نسبة السكري قبل الحمل كانت 14، بينما أملك فحوصات تُظهر أن المعدل كان 6.4 فقط”.
ويضيف أن “زوجته بدأت منذ الشهر الثاني بتناول أدوية وإبر مرتبطة بالحمل والسكري، إلا أن وضعها الصحي تدهور لاحقًا بعدما ارتفع مستوى السكر في الدم إلى حدود 400، ما استدعى إدخالها إلى المستشفى للمرة الأولى بتاريخ 3 آذار 2026”.
ويتابع أن “العائلة تواصلت لاحقًا مع طبيب السكري الذي طلب متابعة علاج السكري في المنزل بعد تقييم الحالة”، مشيرًا إلى أن “معدل السكر عاد ليستقر صباحًا بين 95 و100، وظهرًا بين 130 و150”.
ويؤكد أن “وضع السكري كان “مركلج” وتحت السيطرة بإشراف الدكتور مفرج”، لافتًا إلى أن “العائلة بقيت على تواصل مع الطبيبة النسائية بتاريخ 4 آذار، حيث طلبت إعطاء الجرعة الثانية من إبر الرئة”.
ويشير إلى أن “13 من الشهر الحالي لم يكن موعد ولادة، بل إن الطبيبة طلبت إجراء فحص نبض NST لمراقبة نبض الجنين وحركته”.
ويقول: “توجّهنا إلى مستشفى شتورة قرابة الساعة السابعة والنصف مساءً، والنبض كان يتراوح بين 110 و120، وكل شيء كان طبيعيًا. حتى إن الممرضة أكدت وجود حركة واضحة على جهاز المراقبة”.
ويضيف أنه حاول مرارًا التواصل مع الطبيبة خلال الليل، خصوصًا مع حاجة زوجته إلى الأنسولين بسبب السكري، قبل أن يتمكن من الاتصال بها قرابة الساعة الثانية والنصف فجرًا.
ويقول: “أبلغتها أن زوجتي بحاجة إلى إبرة أنسولين، لكنها طلبت عدم إعطائها أي دواء، وقالت ربما تكون بدأت الولادة، وإنها في طريقها إلى المستشفى”.
وبحسب روايته، وصلت الطبيبة لاحقًا إلى المستشفى، وعمدت إلى معاينة الزوجة قبل أن تبلغ العائلة بوجود “ولادة مستعجلة”، ليتم نقلها مباشرة إلى غرفة العمليات.
ويتابع: “كنت أنتظر خارج غرفة العمليات، والدكتورة قالت لي: خلال 10 دقائق سأُسلّمك الطفل. وطلبت فقط أن أتمكن من رؤية ابني”.
ويشير إلى أن “طلب طبيب الأطفال جاء من العائلة شخصيًا”، موضحًا أنه “عندما طلب طبيبًا آخر، أُبلغ بأن الدكتور معن أصبح داخل غرفة العمليات”.
إلا أن الصدمة، كما يروي، جاءت بعد دقائق قليلة، عندما أبلغه أحد الأطباء بأن الطفل قد توفي. ويقول: “قال لي إن ابني متوفى منذ 3 أيام”.
ويؤكد درويش أن “الطبيب نفسه عاد في اليوم التالي وتراجع عن كلامه خلال اجتماع داخل الإدارة”، موضحًا: “قال لي: أنا لم أقل إنه متوفى منذ 3 أيام، بل قلت إنه متحلل وتنبعث منه رائحة”.
ويشدد الأب على أن بحوزته تسجيلات فيديو وتخطيطًا طبيًا يثبتان استمرار نبض الجنين حتى ساعات قليلة قبل الولادة.
كما يطرح علامات استفهام حول طريقة التعامل مع الطفل بعد الولادة، خصوصًا أن والدته كانت تعاني من السكري وتتلقى علاجًا بالأنسولين طوال فترة الحمل.
ويقول إن “الطفل المولود لأم تعاني من السكري يحتاج عادةً إلى مراقبة دقيقة لمستوى السكر بعد الولادة”، متسائلًا عمّا إذا كانت كل الإجراءات الطبية اللازمة قد أُجريت في الوقت المناسب.
وينقل أيضًا عن زوجته أن الطاقم الطبي كان يتحدث عن حجم الطفل وجماله بعد الولادة، ما عزز شكوك العائلة بأن الطفل لم يكن متوفى داخل الرحم منذ أيام كما قيل لهم.
وفي أكثر اللحظات قسوة، يروي عبدالله تفاصيل استلام جثمان طفله في اليوم التالي داخل صندوق زجاجي صغير.
ويقول: “في 14 من الشهر الحالي استلمت ابني داخل صندوق زجاجي. أخذته إلى والدته لتودّعه، ثم حملته معي في السيارة وبقيت أتجول به في الطرقات”.
ويضيف: “لم أكن قادرًا على توديعه. شعرت أنني لا أريد أن أحرمه من شيء، فبقي معي في السيارة نحو ساعة ونصف، رغم أن الدنيا كانت تمطر، ولم تكن هناك أي رائحة كما قيل لنا”.
وفي موازاة رواية العائلة، تتصاعد الأسئلة الطبية والقانونية حول ما جرى داخل مستشفى شتورة، في ظل تبادل اتهامات بين عدد من الأطباء الذين تابعوا الحالة.
وتطالب العائلة بتحقيق جدي وشفاف يحدد المسؤوليات ويجيب عن سلسلة من الأسئلة الأساسية، أبرزها: هل كان يفترض إجراء الولادة في الأسبوع 37 أو 38 نظرًا لمعاناة الأم من السكري؟ وهل يُظهر التخطيط الطبي بالفعل استمرار نبض الجنين بشكل منفصل عن نبض الأم قبل الولادة؟ وهل كان يجب إعطاء الطفل حقنة سكر فور ولادته بسبب حالة والدته الصحية؟
كما تُطرح تساؤلات حول ما إذا كان تأخر الطبيبة المشرفة في الوصول إلى المستشفى، وعدم إعطاء الوالدة الأنسولين بناءً على طلبها، قد تسببا بمضاعفات خطيرة مرتبطة بالحماض الكيتوني السكري وأدّيا إلى وفاة الطفل.
وتسأل العائلة أيضًا عمّا إذا كانت هناك أي مؤشرات سابقة تدل على وفاة الجنين داخل الرحم، ومتى أُجري آخر فحص بالموجات فوق الصوتية قبل الولادة.
وفي ظل تضارب الروايات الطبية خلال أقل من 24 ساعة بشأن وضع الطفل الصحي، تتمسك العائلة بمطلبها الأساسي: كشف الحقيقة كاملة، وتحديد ما إذا كانت وفاة الطفل قضاءً وقدرًا، أم نتيجة أخطاء وتأخير كان يمكن تفاديهما.



