التحقيق في ملف HAWK III يثير الريبة… 500 مليون دولار على المحك

 

ما زالت قضية الناقلة HAWK III قيد التحقيق أمام قاضي التحقيق في بيروت القاضية شهرزاد ناصر، بعدما تحوّلت من ملف شبهة تزوير منشأ إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية على صعيد المال العام وأمن الطاقة في لبنان، في ظل الاشتباه بإدخال شحنات فيول بمستندات لا تعكس حقيقة مصدر الحمولة ومسارها.

غير أن مسار التحقيق، وفق المعطيات المتوافرة، بدأ يثير تساؤلات جدية حول الوجهة التي سيسلكها الملف: هل سيتوسع ليشمل المسؤولين الفعليين عن التعاقد والتوريد والاستفادة المالية، أم سيبقى محصوراً بموظفين وشركات ذات أدوار ثانوية، فيما تبقى الجهات التي اتخذت القرار ووقّعت العقود خارج دائرة المساءلة؟

وكان لكاشف الفساد المهندس فوزي مشلب دور أساسي في كشف القضية، من خلال إخبار قدّمه إلى الجمارك اللبنانية، ما أدى إلى مداهمة الناقلة وضبط مستندات ودفاتر أساسية، بينها Deck Book وLog Book، أظهرت، بحسب المعطيات، أن مسار الحمولة مرتبط بروسيا خلافاً للمستندات التي أفادت بأن التحميل جرى في مرسين التركية.

وكان “ليبانون ديبايت” أول من نشر هذه المعطيات، قبل أن يتعرض لحملة إلكترونية واسعة تحت عنوان أن إثارة الملف تهدف إلى إدخال لبنان في العتمة. إلا أن الوقائع اللاحقة أسقطت هذه المزاعم، بعدما حاولت الناقلة مغادرة لبنان، فعاد مشلب وأبلغ السلطات مجدداً، ما دفع الجيش اللبناني، عبر سلاح الطيران والقوات البحرية ومغاوير البحر، إلى اعتراضها وإعادتها من خارج المياه الإقليمية على مسافة تقارب 33 ميلاً بحرياً.

لاحقاً، فرضت الجمارك اللبنانية غرامة قاربت 10 ملايين دولار على الناقلة، ووصفت بأنها من بين أعلى الغرامات الجمركية المسجلة في لبنان، فيما لا تزال HAWK III محجوزة بانتظار استكمال الإجراءات القضائية والقانونية.

بداية الريبة

تشير مصادر متابعة للملف إلى أن مدير الشركة والمفوّض بالتعاقد مع الدولة اللبنانية، كولن الرقة، حضر من دولة الإمارات وخضع لجلسة تحقيق، قبل أن يغادر لبنان في اليوم نفسه من دون اتخاذ أي إجراء احترازي بحقه، سواء عبر منعه من السفر أو إبقائه بتصرف التحقيق لحين استكمال الاستجوابات.

في المقابل، بقي موظف يعمل لدى شركة خاصة مكلّفة بمتابعة فحص الكميات في مرسين موقوفاً لأشهر عدة على ذمة التحقيق.

هذا التباين يطرح علامات استفهام مشروعة: كيف يغادر الشخص المعني مباشرة بالتفاوض والتوقيع وإدارة العقد، فيما يبقى موظف محدود الصلاحيات موقوفاً لفترة طويلة؟ وهل يمكن أن يُشدّد التحقيق على الحلقة الأضعف، فيما تُمنح الشخصيات الأساسية في الملف هامشاً أوسع من المرونة؟

ست ناقلات إضافية

وتفيد المعلومات بأن الرقة أقرّ خلال التحقيق بأن شركته اشترت عبر شركة Galileo نحو ست ناقلات سبق أن وردت إلى لبنان بالطريقة نفسها التي اعتُمدت في ملف HAWK III.

وفي حال صحة هذه المعطيات، فإن هذا الإقرار لا يفترض أن يبقى تفصيلاً هامشياً في الملف، بل مدخلاً لتوسيع التحقيق نحو جميع الشحنات التي اعتمدت الآلية ذاتها، وعدم حصر الملف بناقلة واحدة فقط.

فالمعطيات التي سبق أن نشرها المهندس فوزي مشلب تشير إلى نمط متكرر يقوم على تحميل الشحنات من روسيا، ثم المرور لساعات في مرسين التركية، قبل إصدار مستندات تفيد بأن المنشأ أو مكان التحميل هو تركيا.

وإذا ثبت ذلك قضائياً، فإن القضية لا تعود مرتبطة بخطأ منفرد أو مخالفة معزولة، بل بآلية ممنهجة لإخفاء المنشأ الحقيقي للشحنات.

هل يكفي النفي؟

وبحسب المعلومات، حاول الرقة خلال التحقيق نفي علمه بحقيقة المنشأ أو بأي عملية تزوير محتملة للمستندات، محملاً المسؤولية لشركة Galileo باعتبارها الجهة المستفيدة من أي تزوير محتمل، ومستنداً إلى أن العقد المبرم هو من نوع DAP (Delivery At Port).

إلا أن هذا الدفاع يطرح إشكالية جوهرية. فهل يمكن لشركة دولية متخصصة في تجارة الفيول، تُبرم عقوداً بمئات ملايين الدولارات مع الدولة اللبنانية، أن تدّعي عدم معرفتها بالمصدر الفعلي للبضائع التي تشتريها وتبيعها؟

وتشير المعطيات إلى إبراز تحويلات مصرفية بهدف إثبات أن أسعار الشراء لم تكن متدنية بصورة تثير الشبهات أو توحي بالاستفادة من نفط خاضع للعقوبات. إلا أن هذا التبرير لا يبدو كافياً وحده لإقفال باب الشكوك، خصوصاً أن الأرباح في تجارة النفط لا تظهر بالضرورة ضمن الحسابات الظاهرة للشركة المتعاقدة، بل قد تمر عبر ترتيبات مالية أو تجارية موازية خارج القيود المباشرة.

ومن هنا، يبرز سؤال أساسي حول مصير التحقيقات المالية الموازية، ولا سيما ما إذا كانت هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان قد استكملت طلبات التعاون القضائي والمالي الخارجية، بما فيها الطلبات الموجهة إلى دولة الإمارات، لتتبع الأصول والثروات والحسابات العائدة إلى المعنيين بالملف.

المادة 112… نصف مليار دولار؟

يُفترض أن يشكل “تصريح النزاهة” أحد المحاور الأساسية في التحقيق، باعتباره المستند الذي تتعهد بموجبه الجهة المتعاقدة بتحمل المسؤولية عن أي مخالفات أو أفعال ترتكبها الجهات أو الشركات أو الأفراد العاملون لحسابها في تنفيذ العقد.

كما تبرز أهمية المادة 112 من قانون الشراء العام، التي تتيح فرض تدابير وعقوبات مالية كبيرة في حالات الغش أو التزوير أو الإخلال الجسيم بموجبات العقد.

وبحسب قراءات قانونية للملف، فإن تطبيق هذه المادة على كامل الشحنات التي يُشتبه بأنها دخلت وفق الآلية نفسها قد يفتح الباب أمام مطالبات وغرامات مالية قد تصل إلى نحو 500 مليون دولار، وهو رقم يوازي أضعاف قيمة بعض العقود موضوع التحقيق.

وعليه، فإن المسؤولية القانونية لا يمكن أن تُختصر بشركة وسيطة أو موظف ميداني، طالما أن دفتر الشروط والعقود يحمّل الجهة المتعاقدة المسؤولية عن الجهات التي تعمل لحسابها أو لمصلحتها.

ماذا عن Letrina؟

وفي موازاة ذلك، يبرز دور شركة الرقابة Letrina التي أصدرت، بحسب المعطيات، تقارير و”Statement of Facts” تفيد بأن التحميل تم من خزانات برية في مرسين.

أما إذا أثبت التحقيق، استناداً إلى إفادات القبطان والطاقم والوثائق المضبوطة، أن الحمولة أتت من مصدر مختلف، فإن هذه التقارير تصبح جزءاً أساسياً من الوقائع التي يفترض التدقيق فيها، لمعرفة كيفية إصدارها والأساس الذي استندت إليه.

بيان يطرح أسئلة إضافية

وفي تموز 2025، أي قبل نحو شهر من وصول HAWK III، أصدرت شركة Sahara Energy بياناً نفت فيه ما نشره “Lebanon Debate” حول مصادر الشحنات السابقة، مؤكدة أنها تعتمد أعلى معايير الرقابة والتدقيق وتتبع مسارات الناقلات.

هذا البيان يطرح بدوره تساؤلات إضافية. فإذا كانت الشركة تؤكد أنها تراقب مسارات الشحنات وتدقق بها، فكيف يمكن التمسك لاحقاً برواية عدم المعرفة؟ وكيف تمكن مواطن عبر برامج تتبع السفن المتاحة للجمهور من تحديد المسارات المثيرة للشبهات، فيما لم تتمكن شركة متخصصة في تجارة النفط من اكتشافها؟

كما يضاف إلى ذلك أن من أبسط قواعد الامتثال في تجارة الطاقة واجبات التحقق المعروفة بـ KYC أو Know Your Client، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة التجارية التي قامت بين الأطراف المتعاقدة وآليات التحقق التي اعتمدت قبل إبرام صفقات بمئات ملايين الدولارات.

أسئلة برسم التحقيق

هل جرى طلب معلومات مالية من السلطات الإماراتية حول مصادر ثروة المعنيين بالملف خلال فترة التعاقد مع الدولة اللبنانية؟

هل تم تتبع الأصول العقارية والمصرفية والحسابات المرتبطة مباشرة أو غير مباشرة بالجهات المعنية، وفق ما يسمح به القانون؟

هل توسّع التحقيق ليشمل الناقلات الست الأخرى التي أُشير إليها خلال الاستجوابات؟

هل تم التدقيق بدور شركات الرقابة وإعداد التقارير الفنية التي استُخدمت في إتمام عمليات التسليم؟

وهل ستُطرح المادة 112 من قانون الشراء العام ضمن المسار القضائي للملف في حال ثبوت المخالفات المنسوبة إلى الجهات المتعاقدة؟

الخطر الأكبر

الخشية اليوم أن يتحول ملف HAWK III من قضية قد تكشف شبكة متكاملة من التوريد وتمويه المنشأ واستخدام مستندات مشكوك بصحتها، إلى ملف محدود تُلقى فيه المسؤولية على أطراف ثانوية فيما تبقى الجهات الأكثر تأثيراً بعيدة عن المحاسبة.

فالقضية لم تعد مرتبطة بناقلة حاولت المغادرة فقط، بل بشبهات تمس آليات التوريد والعقود العامة والمال العام، وما إذا كانت الدولة اللبنانية قد تعرضت لخسائر مالية أو قانونية نتيجة ممارسات يجري التحقيق فيها حالياً.

ويبقى المعيار الحقيقي لأي تحقيق بسيطاً وواضحاً: من وقّع؟ من استفاد؟ ومن تحمّل المسؤولية؟

وفي انتظار الأجوبة، تبقى الأنظار متجهة إلى قاضي التحقيق في بيروت القاضية شهرزاد ناصر، وإلى قدرة القضاء على الذهاب حتى النهاية في ملف بات يتجاوز حدود ناقلة واحدة، ليمس واحدة من أكثر القضايا المالية والإدارية حساسية في السنوات الأخيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى