عماد مرتينوس لـ«أنا لبنان»: لا دولة بجيشين وسلاحين… ونقابة المحامين ستبقى ضمير الوطن

في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها التحديات القانونية والدستورية والسياسية، تبرز العديد من الملفات التي تشغل الرأي العام اللبناني، من قضية إلغاء عقوبة الإعدام والعفو العام، إلى استقلالية القضاء، ودور الدولة، وحدود حرية التعبير، وصولاً إلى رؤية نقابة المحامين لمستقبل لبنان. وفي حوار خاص مع “أنا لبنان”، يفتح نقيب المحامين في بيروت الأستاذ عماد مرتينوس أبواب هذه الملفات، متناولاً أبرز القضايا المطروحة حالياً، ومؤكداً تمسكه بدولة القانون، وحصرية مرجعية الدولة، ودور نقابة المحامين كـ”ضمير الوطن”، في مقاربة قانونية ووطنية تنطلق من الدستور واحترام الحريات والمسؤوليات.

* بداية، وكما ورد في مواقفكم مؤخراً، بدأ واضحاً أنكم تؤيدون إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، ما هي الدوافع القانونية والإنسانية التي تستندون إليها، وهل تعتقدون أن الوقت أصبح مناسباً لإقرار هذا التحول التشريعي؟

يجب الاشارة اولاً الى ان المسألة ذات خصوصية واضحة في لبنان. فعلى الرغم من استمرار عقوبة الإعدام في عدد من النصوص القانونية، فإنّ تنفيذها متوقف عمليًا منذ عام 2004، ما أوجد واقعًا قانونيًا مركّبًا بين وجود العقوبة في النص وغيابها في الممارسة.

يكفي الدافع الأول وهو الحق في الحياة، أسمى الحقوق على الاطلاق، مكرس في المواثيق الدولية، ويُنظر إلى عقوبة الإعدام باعتبارها مساساً نهائياً بهذا الحق، لا يمكن التراجع عنه في حال وقوع خطأ قضائي مثلاً. وهذه الامكانية موجودة.

الدافع الثاني تطور مفهوم العقوبة حيث اتجهت الفلسفة الجزائية الحديثة إلى اعتبار أن الغاية من العقوبة لا تقتصر على الردع والمنع والانتقام، بل تشمل الإصلاح وإعادة الإدماج الاجتماعي، وهو ما لا يتحقق في عقوبة الإعدام. من هنا، يبدو المسار متجهاً دولياً نحو الحدّ من هذه العقوبة أو إلغائها حيث ألغى أكثر من ثلثي دول العالم عقوبة الإعدام قانونًا أو فعلياً، فيما تتزايد الدعوات الدولية إلى وقف تنفيذها وتعزيز بدائل عقابية تحقّق العدالة وتحفظ الكرامة الإنسانية في آنٍ معًا.

الدافع الثالث عدم ثبوت فعالية الردع بشكل حاسم حيث ان الدراسات الجنائية لم تثبت بشكل جازم أن عقوبة الإعدام أكثر ردعاً من العقوبات البديلة مثل السجن المؤبد أو العقوبات المشددة، ما يطرح تساؤلات حول جدواها القانوني.

ولعل الدافع الأخير هو تعزيز مبدأ تناسب العقوبة مع الكرامة الإنسانية حتى في معرض أخطر الجرائم. نعم انا مع الغاء عقوبة الاعدام واعتماد مبدأ الاستبدال التلقائيّ بالعقوبة التي تليها وهي الأشغال الشاقّة المؤبّدة، وبالتالي محو عقوبة القتل باسم القانون بصورة رجعية.

* سبق أن أكدتم أن أي قانون للعفو العام يجب أن يكون وطنياً ودستورياً بعيداً عن الحسابات الطائفية. ما هي الضوابط التي يجب أن تحكم أي مشروع عفو مستقبلي؟

العفو العام يجب أن يُبرَّر بظرف استثنائي ذي بعد وطني، من هنا لعل الضابط الأساسي لأي قانون عفو عام هو صفة العمومية المجردة وغير المفصلة على قياس أشخاص أو فئات سياسية أو طائفية معيّنة، وإلا تعرّض القانون لشبهة مخالفة مبدأ المساواة الدستوري أمام القانون.

الضابط الثاني عدم تكريس الإفلات من العقاب خاصة في الجرائم الخطيرة، ما يقتضي التمييز بين الجرائم البسيطة أو الناتجة عن ظروف اجتماعية وإنسانية، وبين الجرائم الخطيرة التي تهدّد الأمن والعدالة.

الضابط الثالث الحفاظ على الحق الشخصي للمتضررين وعدم إسقاطه حفاظًا على العدالة التوازنية بين المجتمع والضحايا. والقيد الآخر لقانون العفو هو ان يأتي في غاية الوضوح والدقة التشريعية، بحيث يحدد في متنه الفترة الزمنية للجرائم المشمولة، وأنواع الجرائم المشمولة والمستثناة، وشروط الاستفادة، وأثر العفو على العقوبة والملاحقة والحق الشخصي، وآليات التنفيذ القضائي، وإلا وقعنا في إشكالات تفسيرية واستنسابية في التطبيق.

* في ظل ما يشهده لبنان من تحديات، تؤكدون باستمرار على ترسيخ دور الدولة ومؤسساتها، كيف يمكن ترجمة هذا المبدأ عملياً،

وما هو الدور المطلوب من جميع اللبنانيين في هذا المجال؟ ترسيخ دور الدولة يتطلب دولة عادلة وقوية وشفافة من جهة، ومواطنًا يلتزم بالقانون ويقدّم المصلحة الوطنية على الولاءات الضيقة سواء الطائفية أو الحزبية، من جهة أخرى.

المسألة تبدأ بوجود الدولة ومرجعية الدولة، وهذا لا يمكن ان يتم بوجود احتلال، وبوجود جيشين وسلاحين في لبنان. اذاً المنطلق هو في حصرية الدولة، وفي احترام الدستور وتفعيل المؤسسات، والمهل الدستورية، واحترام مبدأ فصل السلطات، بما يعزز الرقابة والمحاسبة واستقلالية القضاء.

ثم يأتي إصلاح الإدارة والخدمات العامة، ومكافحة الفساد. ويأتي دور المواطن في ممارسة المحاسبة الديمقراطية.

* أصدرتم تحذيراً لبعض المحامين بشأن منشورات اعتبرتم أنها تمس بكرامة الآخرين، بمن فيهم الرؤساء الثلاثة والمقامات الدينية. كيف توفقون بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية والأخلاقية للمحامي؟ من باب لزوم ما لا يلزم التأكيد ان نقابة المحامين هي اولاً واخيراً نقابة الرأي الحر، والا انتفى دور المحامي ورسالته.

وحرية التعبير جزء من رسالة المحاماة، إلا أنّ هذه الحرية لا يمكن أن تتحول إلى مساحة للإسفاف، أو التخوين، أو الشتائم، أو التحريض، أو الانزلاق إلى خطاب فتنوي لا يليق بصاحبه ولا بنقابته. هذه اللغة غير مألوفة في الوسط القانوني، وكل محام يتحمل بشخصه كامل المسؤولية في حال الانزلاق الى منحدرات الإسفاف والابتذال، وهذا يعرّضهم لمساءلة نقابية مسلكية، وقانونية قضائية.

دوري ان ابقى ساهراً على سمعة النقابة ورصانتها من أي سوء تتعرض له سواء من داخل الجسم النقابي أو من خارجه.

* هل تعتزم نقابة المحامين اتخاذ إجراءات أكثر حزماً تجاه أي تجاوزات أو خطابات تحريضية تسيء إلى الأشخاص أو المؤسسات، أم أن الأولوية تبقى للتوعية والالتزام بآداب المهنة؟

أصلاً آداب المهنة تلزم المحامي بالتصرف بما يوحي الثقة والاحترام في اللفظ والمظهر والتصرف. انتهت فترة السماح وسبق وأصدرنا أكثر من تعميم، وأي خروج على الأصول يعرّض الفاعل للمساءلة المسلكية. * في سياق متصل، وفي ظل تصاعد خطاب الكراهية والانقسام على وسائل التواصل الاجتماعي، هل بات لبنان بحاجة إلى مقاربة قانونية جديدة توازن بين حرية الرأي وحماية السلم الأهلي؟

أعتقد ان النصوص في قانون العقوبات كافية لضبط الوضع، وأيضاً النصوص الخاصة لدى النقابات المهنية، وأي تعديلات تقودنا الى دولة بوليسية لا تشبه لبنان. الاتكال على الوعي وعلى مسؤولية الفرد والدولة.

* كيف تقيّمون واقع القضاء اللبناني اليوم، وهل ترون أن مسار تعزيز استقلالية القضاء يسير بالاتجاه الصحيح؟

الايجابي وجود قضاة مستقلين وكفاءة قضائية واجتهادات قضائية متقدمة، ومحاولات للحفاظ على دور القضاء كسلطة ضامنة للحقوق والحريات. الايجابي ايضاً وجود مشاريع لتعزيز استقلالية القضاء، ونقاشات حول معايير التشكيلات القضائية والحد من التدخل السياسي، ودعم دولي وتقني لتحديث الإدارة القضائية والرقمنة، وازدياد المطالبة المجتمعية بقضاء مستقل وفعّال. وما ردّ رئيس الجمهورية لقانون تنظيم القضاء العدلي سوى لمزيد من تحصين آلية التعيينات والتشكيلات القضائية.

لكن نجاح الاصلاح القضائي يتوقف على استقلالية التعيين والتشكيلات بعيداً من النفوذ السياسي، حصانة القاضي مع مساءلته، وتسريع العدالة عبر تحديث الإدارة والرقمنة.

* تشهد المنطقة تطورات أمنية وسياسية متسارعة، إلى أي مدى ترون أن التمسك بالدستور والمؤسسات يشكل الضمانة الأساسية لحماية لبنان من تداعيات الصراعات المحيطة؟ سواء بوجود أزمات داخلية او اقليمية او دولية او بغيابها، احترام مرجعية الكتاب تبقى هي الأساس لأنه لا دولة بتغييب الدستور والقوانين.

* رفعتم شعار إعادة نقابة المحامين لتكون “ضمير الوطن”. كيف يترجم هذا الشعار عملياً، وما هي أبرز الخطوات التي قمتم بها لتحقيقه؟

نعم نقابة المحامين هي ضمير الوطن، وهذه هي البوصلة التي توجه عملي كنقيب. قمت بجردة بعد مئة يوم من ولايتي النقابية واستعرضت مباشرة مع الزميلات والزملاء لبرنامجي الانتخابي ولما أنجزت منه. لا أريد الإعادة في هذا الموضوع لأن ما قمت به دين علي وواجب وحق المحامين وليس مكرمة او اداة للتبجح.

* أخيراً، أي لبنان تحلمون به، وما هي الرسالة التي تودون توجيهها إلى اللبنانيين في هذه المرحلة الدقيقة؟ كما كل لبناني، أريد دولة تحترم نفسها وتحمي مواطنيها، المسألة بهذه البساطة.

* ختاماً، كلمة لموقع “أنا لبنان”؟

أنتم كاعلام مسؤول، الشريك الأساسي في حماية الرأي العام، وحرية التعبير تبقى قيمة مقدسة، لكنها تقترن دائماً بالدقة والمسؤولية واحترام الحقيقة، بعيداً عن التحريض والتشهير وتضليل الناس. فالكلمة أمانة، والإعلام المسؤول ركيزة للاستقرار وبناء دولة القانون. وفي ختام هذا الحوار، يتوجه موقع “أنا لبنان” بالشكر إلى نقيب المحامين في بيروت الأستاذ عماد مرتينوس على سعة صدره وتعاونه الدائم، وعلى هذا الحوار الصريح الذي تناول أبرز الملفات القانونية والوطنية التي تشغل اللبنانيين في هذه المرحلة الدقيقة. وإذ نثمّن مواقفه ورؤيته القائمة على احترام الدستور والحريات ودولة القانون، نتمنى له دوام التوفيق والنجاح في مسؤولياته النقابية، وللمحاماة اللبنانية مزيداً من التقدم والازدهار، بما يرسخ دورها التاريخي في حماية العدالة وصون الحريات وخدمة الوطن.

حاورته :
لينا دياب “رئيسة تحرير موقع “أنالبنان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى