
تتحول حادثة احتجاز قاصرين داخل مركز “السيتي سنتر” التجاري إلى قضية تثير تساؤلات قانونية وأمنية متزايدة، بعدما تبين أن تسجيلات كاميرات المراقبة التي كان يمكن أن تشكل دليلاً أساسياً في الملف لم تعد متوافرة عند بدء التحقيقات.
وتشير المعطيات إلى أنه بتاريخ 8 أيار، أرسل أحد الآباء ابنه البالغ من العمر 14 عاماً برفقة صديقه إلى “السيتي سنتر” لمشاهدة فيلم سينمائي. وبعد مرور بعض الوقت، انقطع التواصل مع القاصرين واختفيا عن أنظار ذويهما لمدة ساعة ونصف تقريباً، ليتبين لاحقاً أنهما كانا محتجزين لدى شركة الأمن العاملة داخل المركز التجاري.
وبحسب الشكوى المقدمة، تعرض القاصران خلال فترة احتجازهما للإهانة والتنمر والسخرية، ما دفع والد أحدهما إلى التقدم بشكوى بواسطة وكيله القانوني المحامي علي الطفيلي أمام النيابة العامة في جبل لبنان، التي أحالت الملف إلى فصيلة فرن الشباك لإجراء التحقيقات اللازمة.
وتفيد المعلومات بأن محاولات عدة جرت قبل تسجيل الشكوى لمعالجة القضية بصورة ودية، بمشاركة شخصيات أمنية وضباط كبار، إلا أن تلك المساعي لم تؤدِ إلى تسوية ترضي الجهة المتضررة، ما دفعها إلى اللجوء إلى القضاء ومتابعة القضية وفق الأصول القانونية.
غير أن علامات الاستفهام الكبرى بدأت مع مسار المتابعة القضائية. فبحسب المعطيات، لم تبادر فصيلة فرن الشباك إلى التواصل مع وكيل الجهة المدعية إلا بتاريخ 15 حزيران، أي بعد أكثر من شهر على تسجيل الشكوى، رغم حساسية الملف وارتباطه بقاصرين وبأدلة تقنية معروفة بأنها تخضع لمهل حفظ محدودة.
وعندما جرى طلب الاطلاع على تسجيلات كاميرات المراقبة، كانت المفاجأة أن التسجيلات لم تعد موجودة، بعدما أُبلغ أصحاب العلاقة بأنها تُمحى تلقائياً بعد 15 يوماً وفق السياسة المعتمدة لدى المركز التجاري.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات جدية حول أسباب التأخير في استدعاء المعنيين ومتابعة الملف، ولماذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لحفظ التسجيلات فور تسجيل الشكوى، خصوصاً أن أي محقق يدرك أن كاميرات المراقبة تشكل الدليل الأول في مثل هذه القضايا وأن ضياعها قد يحرم التحقيق من عنصر أساسي لكشف الوقائع.
وتذهب أوساط قانونية إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن ما حصل لا يمكن التعامل معه كمسألة إجرائية عادية، بل يثير علامات استفهام حول أداء الجهة المكلفة بالتحقيق الأولي، إذ إن مرور أكثر من شهر قبل مباشرة خطوات أساسية في الملف أدى عملياً إلى فقدان دليل كان يمكن أن يحسم الكثير من الوقائع المتنازع عليها.
وتضيف هذه الأوساط أن القضية لم تعد محصورة بواقعة احتجاز قاصرين فحسب، بل باتت تشمل كيفية إدارة التحقيقات في الملفات الحساسة، ومدى الالتزام بالأصول التي تفرض التحرك السريع للحفاظ على الأدلة قبل ضياعها أو إتلافها.
وفي انتظار استكمال التحقيقات، يبقى السؤال مطروحاً: كيف تُترك شكوى تتعلق بقاصرين لأكثر من شهر من دون إجراءات تحفظ الأدلة الأساسية؟ ومن يتحمل مسؤولية ضياع تسجيلات كان يمكن أن تكشف حقيقة ما جرى داخل “السيتي سنتر”؟
إن الرأي العام ينتظر أجوبة واضحة، ليس فقط بشأن واقعة الاحتجاز، بل أيضاً بشأن الأسباب التي أدت إلى فقدان دليل أساسي في الملف، وما إذا كان هذا التقصير سيخضع بدوره للمساءلة والمحاسبة.



