ندى صليبا شويري… حسناء الشاشة التي جعلت من الخبر مسؤولية ومن الحوار ثقافة

 

كتب الاعلامي جورج الياس معلولي مؤسس موقع Almar2a Mariam Media

في زمنٍ أصبح فيه الإعلام أحيانًا سباقًا على الصوت الأعلى، تبقى هناك وجوه إعلامية اختارت طريقًا مختلفًا: الرصانة بدل الصخب، الثقافة بدل الاستعراض، والكلمة المسؤولة بدل الكلام السهل.

ومن هذه الوجوه اللبنانية التي تركت بصمتها على الشاشة، تبرز الإعلامية ندى صليبا شويري؛ امرأة جمعت بين الحضور الجميل، والثقافة، والخبرة الطويلة، والقدرة على إدارة الكلمة والموقف بحرفية قلّ نظيرها.

ندى ليست فقط «حسناء الشاشة» التي عرفها المشاهد اللبناني، بل هي قبل كل شيء إعلامية صنعت حضورها بالسنوات والتجربة والمثابرة. فقد أمضت أكثر من 31 عامًا في تقديم نشرات أخبار «تلفزيون لبنان»، في واحدة من أطول المسيرات التي يمكن أن تُسجّل لإعلامية لبنانية في هذا المجال. كما شغلت موقعًا في مديرية الأخبار لنحو 17 عامًا، الأمر الذي يؤكد أن تجربتها لم تكن تجربة مذيعة تقرأ الأخبار أمام الكاميرا، بل تجربة صحافية وإعلامية تعرف كيف يُصنع الخبر وكيف يُدار.

من نشرة الأخبار إلى قلب الحدث

كانت ندى واحدة من الوجوه التي ارتبط حضورها بنشرة أخبار «تلفزيون لبنان»، ذلك التلفزيون الرسمي الذي حمل على مدى عقود ذاكرة اللبنانيين السياسية والوطنية والاجتماعية.

ومن خلال عملها الطويل، عاصرت أجيالًا من السياسيين والأحداث والمحطات المفصلية، وواكبت عالمًا إعلاميًا تغيّر كثيرًا، من زمن التلفزيون الرسمي والنشرات التقليدية إلى زمن الفضائيات ووسائل التواصل والإعلام الرقمي.

وفي عام 2021، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، أعلنت انتهاء ظهورها في نشرات أخبار «تلفزيون لبنان»، في محطة شكّلت نهاية مرحلة طويلة من حياتها المهنية، بعدما كانت من المقدمات المعروفات برصانتهن في تقديم الأخبار.

لكن ندى لم تكن يومًا من النوع الذي يعتبر نهاية مرحلة نهاية للمشوار.

كانت تعرف أن الخبرة الحقيقية لا تنتهي بخروج المذيع من الاستوديو، وأن الإعلامي الذي راكم المعرفة والعلاقات والخبرة يستطيع أن يبدأ من جديد، ولو من موقع مختلف.

«حوارات السراي»… عودة مختلفة

ولعل أجمل ما في مسيرة ندى صليبا شويري أنها لم تكتفِ بتاريخها، بل أثبتت أن الإعلامي الحقيقي يستطيع أن يتجدد من دون أن يتخلى عن هويته.

وجاءت «حوارات السراي» لتكون محطة جديدة ومهمة في مسيرتها.

فالبرنامج، الذي تقدمه عبر «تلفزيون لبنان»، يقوم على لقاءات مباشرة مع وزراء الحكومة، ويناقش الملفات السياسية والإصلاحية والقطاعية، إضافة إلى القضايا التي تمس حياة اللبنانيين. وانطلق البرنامج من السراي الكبير في إطار تعاون مع وحدة الاتصال الحكومي، وكان من أهدافه تعزيز التواصل والحوار والشفافية.

وهنا تظهر قيمة ندى الحقيقية.

فهي لا تدخل الحوار لتنتصر على ضيفها، ولا لتحوّل المقابلة إلى معركة، ولا لتبحث عن «لقطة» أو عنوان مثير.

تسأل.

تستمع.

تتابع.

وتعرف متى تضغط بالسؤال، ومتى تترك للضيف مساحة الإجابة.

وهذه واحدة من أصعب مهارات الإعلام.

وقد وصفتها قراءة إعلامية لـ«حوارات السراي» بأنها توظف خبرتها الطويلة في طرح الأسئلة المباشرة بعمق وإطلاع وسلاسة ولياقة، وهي صفات أصبحت نادرة في زمن الحوار الصاخب.

ولم تكن «حوارات السراي» مجرد عنوان تلفزيوني عابر؛ فقد استضاف البرنامج عددًا من الوزراء، وتناول ملفات شديدة الحساسية والأهمية، من السياسة والعلاقات اللبنانية ـ السورية، إلى الدفاع والصحة والزراعة وغيرها.

وفي أحدث حلقاته، حاور البرنامج وزير الصحة ركان ناصرالدين حول أداء الوزارة والعدالة والشفافية في الخدمات الصحية، في حلقة أكدت استمرار حضور ندى في الملفات الوطنية المباشرة.

امرأة لا تجرح… لكنها لا تجامل

ربما أجمل ما يمكن أن يُقال عن ندى صليبا شويري أنها تعرف الفرق بين الجرأة والوقاحة.

فالصحافي ليس مطلوبًا منه أن يجرح ضيفه كي يكون جريئًا.

وليس مطلوبًا منه أن يرفع صوته كي يكون قويًا.

القوة الحقيقية أن تقول السؤال الصعب بهدوء، وأن تقول الحقيقة من دون إساءة، وأن تتمسك بالموقف المهني عندما يصبح قول الحقيقة مكلفًا.

وهذه الصفة تحديدًا جعلت ندى مختلفة.

هي شخصية تستطيع أن تقول «كلمة حق» في المواقف الصعبة، لكن من دون أن تحوّل الحق إلى إهانة، ومن دون أن تجعل الاختلاف خصومة شخصية.

وهنا تكمن قيمة الإعلامي المثقف والراقي: أن يختلف معك من دون أن يهينك، وأن يحاصرك بالسؤال من دون أن يحاصرك بالإساءة.

ثقافة وحضور وأناقة

ولا يمكن الحديث عن ندى صليبا شويري من دون التوقف عند حضورها.

فهي من الإعلاميات اللواتي حافظن على صورة الإعلامية الأنيقة والراقية، حيث لا تطغى الصورة على المضمون، ولا يتحول الجمال إلى بديل عن الثقافة.

لقد كان حضورها أمام الكاميرا جزءًا من شخصيتها الإعلامية، لكن الأهم أن هذا الحضور ترافق مع سنوات طويلة من الخبرة والمعرفة والاحتكاك بالشأن العام.

ولذلك بقيت صورتها مرتبطة بالوقار.

وحين نتحدث عن «حسناء الشاشة»، فإننا لا نعني الجمال الخارجي فقط، بل ذلك النوع من الجمال الذي يصنعه الحضور والثقة والهدوء والثقافة.

إنسانة تعرف قيمة الزمالة

ومن الجوانب الإنسانية اللافتة في شخصية ندى أنها لا تنظر إلى زملائها بعين المنافسة فقط، بل تعرف قيمة الرفقة المهنية والإنسانية.

وقد ظهرت هذه الناحية بوضوح في كلماتها المؤثرة عند رحيل الإعلامية هدى شديد، التي ربطتها بها سنوات من العمل والسفر والتغطيات، ومنها تغطيات من قصر بعبدا ومحطات سياسية ووطنية مختلفة. كلام ندى عن هدى كشف عن ذاكرة مهنية وإنسانية عميقة، وعن وفاء لزميلة جمعتها بها سنوات المهنة.

وهنا أيضًا نكتشف وجهًا آخر لندى:

وراء الإعلامية الصارمة في العمل، امرأة وفية، حساسة، وإنسانية.

ندى… مدرسة في الإعلام

هناك إعلاميون يمرون أمام الكاميرا.

وهناك إعلاميون يبقون في ذاكرة الشاشة.

ندى صليبا شويري من الفئة الثانية.

فثلاثة عقود وأكثر من العمل الإعلامي ليست مجرد رقم، بل مدرسة كاملة في الصبر والانضباط ومعرفة المهنة.

ومن نشرات الأخبار إلى مديرية الأخبار، ومن التغطيات السياسية والوطنية إلى «حوارات السراي»، تثبت ندى أن الإعلامي الحقيقي لا تقاس قيمته بعدد البرامج التي يقدمها، بل بما يتركه من احترام لدى المشاهد وبصمة لدى زملائه وأثر في المهنة.

ولعل أجمل ما في تجربتها اليوم أنها لم تسمح للسنوات أن تجعلها أسيرة الماضي.

بل عادت إلى الشاشة بخبرة أكبر، وهدوء أكبر، ونضج أكبر.

وإذا كان لكل جيل من الإعلاميين وجوهه التي تميّزه، فإن ندى صليبا شويري تنتمي إلى جيلٍ علّمنا أن الإعلام أناقة في السلوك قبل أن يكون أناقة في المظهر، وثقافة قبل أن يكون حضورًا، ومسؤولية قبل أن يكون شهرة.

هي امرأة تعرف كيف تكون جميلة من دون استعراض، قوية من دون قسوة، صريحة من دون تجريح، ومثقفة من دون تعالٍ.

ولهذا، في سلسلة «وجوه نسائية رائدة»، لا نكتفي اليوم بتكريم إعلامية جميلة.

نحن نكرّم مسيرة امرأة لبنانية اختارت أن تجعل من الكلمة مسؤولية، ومن المهنة رسالة، ومن الحوار مساحة للحق والحقيقة.

ندى صليبا شويري…

اسمٌ من أسماء الشاشة اللبنانية التي لا تختصرها صورة، ولا تختصرها نشرة أخبار، ولا حتى برنامج واحد.

إنها مسيرة طويلة من الخبرة، الرقي، الثقافة، الجمال، والكرامة المهنية.

وما أجمل أن تكرّم المرأة اللبنانية وهي لا تزال في قلب العطاء، لأن بعض الوجوه لا تصبح رائدة بعد أن تنتهي مسيرتها…

بل لأنها، ببساطة، لا تزال تصنعها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى