الراعي في العرس الجماعي ببكركي: من «أنا وأنت» إلى «نحن»… والعائلة جماعة حبّ وحياة

 

ترأس صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، مساء السبت 5 أيلول 2026، في الصرح البطريركي في بكركي، العرس الجماعي الذي نظمته الرابطة المارونية وضمّ ستة وعشرين عروسًا وعريسًا، بحضور الأساقفة والكهنة والأهل والأقارب، في مناسبة كنسية حملت معاني الفرح والرجاء والتمسّك بالعائلة ورسالتها.

وكان البطريرك الراعي قد انتقل من الصرح البطريركي الصيفي في الديمان إلى بكركي، يرافقه المطران الياس نصار، النائب البطريركي العام، والأب فادي تابت، أمين السر العام في البطريركية المارونية، والخوري كاميليو مخايل، أمين السر الخاص، إلى جانب الفريقين الأمني والإعلامي.

وعند الساعة السادسة مساءً، ترأس البطريرك الراعي الاحتفال الكنسي بالعرس الجماعي، عاونه فيه المطران الياس نصار والمطران أنطوان عوكر، النائبان البطريركيان العامّان، والأب فادي تابت، والخوري كاميليو مخايل، ولفيف من الكهنة المشاركين من قبل العرسان.

الراعي: «كان عرس في قانا الجليل واليوم عرس في بكركي»

وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، توجّه البطريرك الراعي إلى العرسان بكلمة استوحاها من عرس قانا الجليل، مستهلًا إياها بالقول: «كان عرس في قانا الجليل، واليوم عرس في بكركي»، معتبرًا أن بكركي تعيش «عيدًا كبيرًا» بولادة ست وعشرين عائلة جديدة تنطلق في مسيرة الحياة.

ووجّه غبطته شكره إلى الرابطة المارونية على هذه المبادرة، وإلى لجنة النشاطات فيها، وإلى جميع الذين شاركوا في التحضير والتنظيم، مشددًا على أن قيمة هذا اليوم لا تكمن فقط في اجتماع ستة وعشرين عروسًا وعريسًا تحت سقف بكركي، بل في نشوء ست وعشرين عائلة جديدة، وقال: «هيدي ست وعشرين عيلة عم تنشأ اليوم وعم تنطلق، نشكر الرب عليكم».

قانا تتجدّد في بكركي: المسيح حاضر ومريم ترافق العرسان

وانطلق الراعي من عرس قانا ليشرح للعرسان أن ما حدث هناك يتجدّد اليوم في بكركي بمعناه الروحي واللاهوتي. فكما كان يسوع حاضرًا في قانا، هو حاضر في هذا العرس وفي سرّ الزواج، من خلال الكنيسة المصلّية والأساقفة والكهنة المجتمعين حول العرسان.

وكما كانت مريم حاضرة في قانا، فإن العذراء مريم، سيدة هذا الصرح، ترافق العرسان في حياتهم الجديدة. ولفت إلى أن صورة قانا تكتمل أيضًا بحضور التلاميذ والأهل والأصدقاء، وهي الصورة نفسها التي تعيشها بكركي اليوم، حيث تجتمع الكنيسة المصلّية حول العرسان، وعلى رأسها المسيح، ومعها مريم والأهل والأصدقاء.

فالزواج، في هذا المفهوم، ليس حدثًا فرديًا أو شأنًا خاصًا بين رجل وامرأة، بل ولادة عائلة جديدة في قلب الكنيسة، تصبح مدعوة إلى أن تكون مكانًا لحضور المسيح وشهادة للمحبة والإيمان.

الخمر الجديد: النعمة الإلهية ترفع الحب البشري

وتوقّف البطريرك الراعي عند أولى آيات المسيح في قانا، حين حوّل الماء إلى خمر فائق الجودة، موضحًا أن «الخمر الجديد» الذي يقدّمه المسيح للزوجين هو الحب الذي تسكبه النعمة الإلهية في حياتهما.

فالزوجان يأتيان إلى المذبح حاملين حبّهما البشري، لكن المسيح يرفع هذا الحب ويقدّسه ويغنيه بنعمته، لتصبح العلاقة الزوجية قادرة على الثبات والأمانة والغفران والعطاء.

وأكد غبطته أن النعمة التي ينالها الزوجان يوم زواجهما ليست نعمة عابرة تنتهي بانتهاء الاحتفال، بل ترافقهما في مختلف مراحل حياتهما، داعيًا إياهما إلى أن يعيشاها بأمانة، وأن يصلّيا معًا ومن أجل بعضهما بعضًا.

وهذا، بحسب الراعي، هو «الخمر الجديد الطيّب» الذي يقدّمه المسيح في الزواج: نعمة الله وحضور الروح القدس في قلب الحياة الزوجية.

«صرتم نحن»… الزواج ينهي منطق «أنا وأنت»

وركّز صاحب الغبطة على إحدى أبرز دلالات الزواج المسيحي، وهي الانتقال من «الأنا» إلى «النحن»، مؤكدًا للعرسان أنهم، منذ هذه اللحظة، لم يعودوا مجرد شخصين يسيران جنبًا إلى جنب، بل أصبحوا «جماعة حبّ وحياة».

وقال إن كل عريس وعروس مدعوان منذ اليوم إلى أن يقولا بعضهما لبعض: «نحن»، فلا يعود هناك منطق «أنا وأنت»، بل تنشأ «نحن» جديدة أساسها المحبة والعهد والشركة.

وأوضح أن الزواج لا يلغي شخصية أي من الزوجين أو حريته، بل يجعل حرية كل واحد منهما عطية للآخر، لتصبح الـ«نحن» مشروع حياة يتجدد في القرار والعمل والفرح والألم والنجاح والصعوبات وتربية الأبناء ومواجهة المستقبل.

وهكذا لا يبقى الحب شعورًا يجمع شخصين، بل يصبح حياة تُعطى، وبيتًا يُبنى، وعائلة تنمو، ورسالة تُعاش.

تبادل الرضى: «نعم» للآخر و«نعم» لله

وتناول غبطته الرموز التي تتضمّنها رتبة الزواج، متوقفًا عند تبادل الرضى بين العروسين، موضحًا أن الكاهن حين يسأل كلًا منهما إن كان يريد الآخر، فإن الـ«نعم» التي يعلنانها ليست مجرد كلمة تُقال في لحظة الاحتفال، بل قرار حياة يقدّمانه بملء حريتهما.

ويكرّس البطريرك والأساقفة والكهنة هذه الإرادة الحرّة بالصلاة وطلب نعمة الله، ليصبح الله نفسه شاهدًا على هذه الـ«نعم».

إنها «نعم» يقولها العريس للعروس وتقولها العروس للعريس، ولكنها في الوقت نفسه «نعم» لله الذي دعاهما إلى السير معًا، فيصبح حاضرًا في قلب عهدهما ورفيقًا لمسيرتهما.

يدٌ بيد على الإنجيل: كلمة الله أساس البيت

وتوقّف البطريرك الراعي عند وضع العروسين أيديهما بعضها في يد بعض وعلى الإنجيل المقدس، معتبرًا أن هذه العلامة تختصر مشروع الحياة الزوجية.

فاليد الموضوعة في يد الآخر تعني أن كل واحد منهما اختار ألّا يسير وحده بعد اليوم، أما وضع اليدين على الإنجيل فيعني أن الاثنين اختارا ألّا يسيرا وحدهما أيضًا، بل أن تكون كلمة الله مرجعًا لطريقهما.

وهكذا يصبح الإنجيل أساس البيت، والله شاهدًا على العهد، والمسيح رفيقًا لمسيرة الزوجين، فلا يقوم الزواج المسيحي فقط على اتفاق بين شخصين، بل على عهد يضع الله في قلب الحياة المشتركة.

الأكاليل: حرية ومسؤولية وأمانة للعهد

وتناول الراعي رمزية الأكاليل الموضوعة على رأسي العروسين، مشيرًا إلى أنها تعبّر عن كرامة كل واحد منهما وسيادته على ذاته وقراره وحريته في اختيار الآخر.

فالزوجان يدخلان الزواج بملء حريتهما، لكن هذه الحرية تتحول منذ إعلان الـ«نعم» إلى أمانة ومسؤولية دائمة. فالكلمة التي تُقال أمام المذبح ليست وعدًا للحظة، بل عهد يُراد له أن يتجدّد في كل يوم وفي كل ظرف من ظروف الحياة.

ومن هنا، فإن الإكليل ليس مجرد زينة احتفالية، بل علامة كرامة ومسؤولية وعهد يحمل في داخله دعوة إلى الوفاء والبذل والتضحية.

الراعي للعرسان: «أنتم بحاجة إلى صلاتنا لأن خطوتكم عظيمة»

وأكد صاحب الغبطة للعرسان أن الكنيسة تصلّي من أجلهم، ولا سيما في الظروف الصعبة التي تحيط بالعائلة والمجتمع، لأن الخطوة التي يقدمون عليها «خطوة عظيمة».

فإنشاء عائلة هو فعل إيمان بالمستقبل، ومسؤولية ورسالة، ولذلك تحيط الكنيسة أبناءها بالصلاة ليتمكنوا من بناء العائلة كما يريدها الرب: عائلة تعرف المحبة والوفاء والمسامحة، وتفتح قلبها للحياة، وتجعل من بيتها مكانًا للإيمان والسلام.

من خمر قانا إلى دم العشاء الأخير: الحب الحقيقي هو العطاء

وفي أبرز ما جاء في كلمته، ربط البطريرك الراعي بين الخمر في عرس قانا والخمر في العشاء الأخير، موضحًا أن يسوع الذي حوّل الماء إلى خمر في قانا، حوّل الخمر في العشاء الأخير إلى دمه، ليكشف بذلك المعنى الأعمق للحب: العطاء.

فالحب، بحسب الراعي، لا يبلغ كماله بما يأخذه الإنسان من الآخر، بل بما يقدّمه له. ومن هنا يصبح الزواج مدرسة يومية للعطاء والبذل والمسامحة والصبر وحمل الآخر في ضعفه وفرحه وألمه.

ففي قانا أعطى المسيح الخمر، وفي العشاء الأخير أعطى ذاته. وبين الحدثين تتكشف مسيرة الحب المسيحي: يبدأ بالفرح، وينضج بالعطاء، ويبلغ معناه الكامل بالبذل.

وأكد غبطته أن ما جرى في عرس قانا يحيا اليوم في هؤلاء العرسان، لأن المسيح الذي كان حاضرًا هناك حاضر هنا أيضًا، والنعمة التي حوّلت الماء إلى خمر قادرة على أن ترفع الحب البشري وتجعله حبًا ثابتًا وأمينًا ومعطاءً.

«يا رب يسوع، اقبل إرادة هؤلاء العرسان ونَعَمهم»

واختتم البطريرك الراعي كلمته بصلاة من أجل العرسان، واضعًا إرادتهم وعهدهم بين يدي المسيح، ومتضرعًا إليه أن يقبل الـ«نعم» التي قالوها بعضهم لبعض، وأن يحفظها حيّة على امتداد حياتهم، وقال: «أيها الرب يسوع، اقبل إرادة هؤلاء العرسان ونَعَمهم، ليعيشوا حياة هنيئة مليئة بالخير والبركات».

وهكذا تحوّل العرس الجماعي في بكركي إلى صورة متجددة لقانا الجليل: المسيح في الوسط، ومريم ترافق، والكنيسة تصلّي، والإنجيل شاهد على العهد، فيما تنطلق ست وعشرون عائلة جديدة من أمام المذبح، حاملة معها دعوة إلى أن تجعل من الحب عهدًا، ومن العهد عطاءً، ومن «أنا وأنت» «نحن» تبني البيت والعائلة والمستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى