
كتبت الاعلامية عبير عبيد بركات:
هيفاء وهبي ليست مجرد فنانة لبنانية لمع اسمها في عالم الغناء والتمثيل، بل واحدة من أكثر الشخصيات الفنية حضوراً وتأثيراً في الساحة العربية خلال العقود الأخيرة. نجمة بدأت من لبنان، ثم تجاوزت حدود الوطن لتصبح اسماً معروفاً في العالم العربي وخارجه، وتحولت مع مرور السنوات إلى رقم صعب في عالم الفن والاستعراض.
من يتابع مسيرة هيفاء منذ بداياتها وحتى اليوم، يلاحظ أن النجاح الذي حققته لم يكن وليد الصدفة، ولا يمكن اختصاره في جمالها أو إطلالاتها. فالجمال قد يفتح الباب، لكنه وحده لا يكفي للبقاء في عالم شديد المنافسة، سريع التبدل، ولا يرحم من لا يعرف كيف يحافظ على حضوره.
هيفاء تعرف جيداً كيف تحافظ على نجوميتها
ربما لم تكن صاحبة الصوت الطربي الاستثنائي الذي اشتهرت به أسماء كبيرة في تاريخ الغناء العربي، لكن هذه الحقيقة لم تمنعها من أن تصبح مطربة ونجمة جماهيرية. على العكس، أدركت منذ وقت مبكر طبيعة صوتها، فلم تحاول أن تكون نسخة عن غيرها، بل اختارت الأغنيات التي تتناسب مع إمكاناتها، واعتمدت على شخصيتها وحضورها وأدائها وصورتها الفنية لتصنع لنفسها لوناً خاصاً.
وهنا تحديداً تكمن إحدى نقاط قوتها: الذكاء في معرفة الذات
هيفاء لم تدخل إلى عالم الفن وهي تملك كل عناصر النجومية التقليدية، لكنها عرفت كيف تصنع من العناصر التي تملكها هوية متكاملة. الصوت، الجمال، الأناقة، الرقص، الكاريزما، الجرأة في اختيار الإطلالات، القدرة على صناعة صورة متجددة، والأهم القدرة على فهم الجمهور والسوق الفني.
وعلى امتداد سنوات طويلة، تعرضت لانتقادات كثيرة. قيل الكثير عن شكلها، وعن صوتها، وعن اختياراتها، وعن جرأتها، وعن حياتها الخاصة. لكن اللافت أنها لم تسمح لكل ذلك بأن يوقف مسيرتها. استمرت، وطورت نفسها، ووسعت تجربتها من الغناء إلى التمثيل والدراما، ونجحت في تحويل اسمها إلى علامة فنية تتجاوز أغنية أو ألبوماً أو دوراً تمثيلياً.
ولعل الجانب الأكثر إثارة في قصتها هو قدرتها على تحويل الصعوبات إلى طاقة للاستمرار.
فقد مرت هيفاء بتجارب شخصية وزوجية لم تكن سهلة، وعاشت مراحل من حياتها تحت الأضواء وفي مواجهة مجتمع لا يتردد في إصدار الأحكام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمرأة. ومع ذلك، اختارت ألا تسمح لتجاربها بأن تكون نهاية قصتها، بل جعلت من نجاحها جواباً عملياً على كل من حاول التقليل منها.
هي اليوم امرأة تجاوزت الخمسين، ومع ذلك لا تزال تحافظ على حضور شبابي ولياقة لافتة وصورة فنية متجددة. ولا يمكن الحديث عن إطلالتها من دون الإشارة إلى اهتمامها الكبير بمظهرها واستعانتها بالتجميل، كما يفعل عدد كبير من النجمات في عصر أصبحت فيه الصورة جزءاً أساسياً من صناعة النجومية. لكن التجميل وحده لا يصنع نجمة، وإلا لكانت الشهرة حكراً على كل من خضع لعمليات التجميل.
الجمال موجود لدى كثيرات، لكن الكاريزما لا تُشترى
وهذا تحديداً ما تمتلكه هيفاء
عندما تصعد إلى المسرح، لا يعتمد حضورها على صوت قوي فقط، بل على منظومة كاملة من التفاصيل: طريقة الوقوف، الحركة، النظرات، اختيار الملابس، التفاعل مع الجمهور، والإحساس بأنها تعرف تماماً كيف تقدم نفسها أمام آلاف الأشخاص.
وربما لهذا السبب استطاعت أن تحافظ على حضورها كل هذه السنوات، بينما اختفت أسماء كثيرة ظهرت في الفترة نفسها
هيفاء أيضاً تعرف أن الفنان في عصرنا لا يعيش من صوته فقط. النجومية أصبحت صناعة متكاملة، والفنان الناجح هو من يعرف كيف يواكب العصر ويحافظ على صورته ويعيد تقديم نفسه باستمرار.
ومن يتابعها يلاحظ أنها عملت على نفسها مع مرور الوقت. لم تبقَ أسيرة الصورة التي صنعتها في بداياتها، بل انتقلت إلى التمثيل، وقدمت أعمالاً درامية وسينمائية، وخاضت تجارب مختلفة، ونجحت في تثبيت حضورها كفنانة شاملة لا تكتفي بالغناء.
وربما تكون أهم رسالة في تجربتها للمرأة هي أن المجتمع قد يضع لكِ عشرات القيود، لكنكِ تستطيعين تجاوزها إذا قررتِ أن تعملي على نفسك وألا تجعلي أحكام الآخرين تحدد قيمتك.
هيفاء وهبي نموذج لامرأة اختارت أن تكمل الطريق رغم الكلام، ورغم الحسد، ورغم الانتقادات، ورغم كل ما يمكن أن يواجه امرأة تحاول أن تكون مختلفة.
قد يختلف الناس حول فنها، وقد يحبها البعض وينتقدها البعض الآخر، وهذا طبيعي في حالة أي نجمة جماهيرية. لكن من الصعب إنكار أنها استطاعت أن تحقق ما لم تستطع كثيرات تحقيقه: أن تحافظ على اسمها في الواجهة لسنوات طويلة، وأن تتحول من فنانة إلى ظاهرة جماهيرية.
ولعل أجمل ما في قصتها أنها تؤكد أن النجاح لا يأتي دائماً من امتلاك أقوى صوت أو أفضل الظروف. أحياناً يأتي من معرفة الإنسان لنقاط قوته، ومن قدرته على تطوير نفسه، ومن امتلاكه الشجاعة ليكون مختلفاً.
هيفاء وهبي جميلة، نعم، والجمال كان أحد مفاتيح حضورها الأول. لكنها لم تعتمد عليه وحده. صنعت شخصية فنية، واستثمرت في صورتها، وثقفت نفسها، وطورت أدواتها، واختارت ما يناسبها، والأهم أنها تعلمت كيف تبقى حاضرة.
وفي النهاية، قد يختلف الناس حول هيفاء وهبي كفنانة، لكن مسيرتها تقدم درساً واضحاً: المرأة التي تؤمن بنفسها، وتعمل على تطوير ذاتها، ولا تسمح لأصوات الآخرين بأن تكسرها، تستطيع أن تصل إلى المكان الذي تريده.
من فتاة بدأت في عالم الأضواء إلى نجمة تتصدر المسارح والشاشات في لبنان والعالم العربي، تبدو هيفاء وهبي اليوم وكأنها تقول لكل امرأة: لا تنتظري أن يمنحكِ المجتمع الإذن كي تحققي أحلامك.
https://www.instagram.com/haifawehbe?igsi=cmZtd3MydmowbWxw



