د. ميراي شحادة حدّاد… حين يصبح الكتاب رسالة إنسانية

 

كتب الاعلامي والكاتب جورج الياس معلولي مؤسس موقع Almar2a Mariam Media

 

في زمنٍ تتراجع فيه مساحة الكتاب أمام سطوة الصورة وسرعة وسائل التواصل، يبقى هناك أناس يؤمنون بأن الثقافة ليست ترفاً، وأن الكتاب ليس مجرد أوراق تُطبع، بل هو ذاكرة أمة، وصوت إنسان، وجسر يصل الماضي بالحاضر ويفتح الطريق أمام المستقبل.

 

ومن بين هذه الوجوه النسائية التي اختارت أن تجعل من الثقافة رسالة، ومن النشر فعل محبة وعطاء، تبرز الدكتورة ميراي شحادة حدّاد، صاحبة التجربة الثقافية والإنتاجية التي كرّستها لخدمة الأدب والبحث والمعرفة، وللوقوف إلى جانب الكتّاب والمبدعين ومساعدتهم على أن ترى أفكارهم النور.

 

ميراي ليست ناشرة كتب فحسب؛ هي تؤمن بالكاتب قبل أن يؤمن به الآخرون، وترى في كل مؤلف مشروع فكر يستحق أن يصل إلى القارئ. ولذلك تحوّل اهتمامها بالنشر إلى رسالة إنسانية وثقافية، تقوم على مرافقة أصحاب الأقلام، وتشجيعهم، والمساهمة في إصدار مؤلفاتهم وأبحاثهم، وإعطاء الكلمة المبدعة المساحة التي تستحقها.

 

وهذه القيمة تحديداً هي التي تجعل تجربتها مختلفة؛ فالنشر عند ميراي لا يبدو مجرد صناعة، بل مسؤولية. فالكتاب الذي يخرج من مطبعة لا يكون بالنسبة إليها مجرد إصدار جديد يُضاف إلى المكتبات، وإنما ثمرة تعب كاتب، وحلم باحث، وذاكرة إنسان، وأحياناً سنوات طويلة من العمل والتوثيق.

 

وقد عُرفت ميراي أيضاً بحضورها في الحياة الثقافية اللبنانية، وباهتمامها بالأدب العربي واللغة والبحث والتوثيق، وبسعيها إلى إبراز الطاقات الإبداعية، ولا سيما تلك التي قد لا تجد دائماً الطريق السهل إلى النشر والانتشار. وقد ارتبط اسمها بمنتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحادة الثقافي، الذي حملت من خلاله إرث والدها الأدبي، وأسهمت في جمعه وإصداره، في مشروع ثقافي كبير أثمر مجلدات ضمت دواوين شعرية وأبحاثاً ودراسات أدبية.

 

لكن الأجمل في ميراي هو أن الثقافة عندها لا تنفصل عن الإنسان.

 

هي شخصية تؤمن بالتلاقي لا بالمنافسة، وبالتعاون لا بإلغاء الآخر، وبأن نجاح الكاتب أو الباحث أو المبدع هو نجاح للثقافة نفسها. وقد وصفت كتابات ثقافية عنها هذا الجانب الإنساني في شخصيتها، مشيرة إلى دعمها للمواهب وتشجيعها ونشر أعمال الأدباء والمفكرين والفنانين، وإلى إيمانها بأن الثقافة طريق إلى حياة إنسانية أكثر رقيّاً.

 

ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في تجربتها أنها لا تكتفي بأن تكون خلف الكتاب، بل تحضر إلى جانب صاحبه أيضاً.

 

فهي تعرف أن الكاتب يحتاج أحياناً إلى من يقول له: تابع… كتابك يستحق أن يولد.

 

وهنا تكمن إنسانية ميراي. إنها تمنح الكاتب أكثر من فرصة للنشر؛ تمنحه ثقة، وتشجعه على الاستمرار، وتفتح أمامه نافذة نحو القارئ.

 

ومن يراقب مسيرتها الثقافية يلمس شغفاً واضحاً باللغة العربية وبالأدب وبالفكر، إلى جانب اهتمامها بالمجالات العلمية والبحثية والتوثيقية. وقد انعكس ذلك في تنوع الإصدارات والأنشطة التي شاركت في إنتاجها ودعمها.

 

وفي إحدى المناسبات الثقافية، حين تحدّثت عن رواية للدكتور جوزف عساف، قالت إنها قرأت العمل «كقارئة قبل أن تكون ناشرة»، وهي عبارة تختصر الكثير من شخصيتها؛ فهي لا تتعامل مع الكتاب من موقع مهني بارد، بل تدخل إليه بقلب القارئ، وتتفاعل مع مضمونه الإنساني، ثم تساهم في تقديمه إلى الناس.

 

وهكذا تصبح ميراي حدّاد واحدة من النساء اللواتي اخترن أن يصنعن أثراً هادئاً وعميقاً.

 

أثراً لا يقاس بعدد الصور ولا بحجم الأضواء المسلطة عليه، وإنما بعدد الكتب التي أبصرت النور، والأقلام التي وجدت من يحتضنها، والأبحاث التي وصلت إلى القارئ، والكتّاب الذين شعروا أن هناك من يؤمن بهم.

 

في لبنان، حيث يحتاج الكتاب إلى من يحميه، والثقافة إلى من يؤمن بها، تأتي تجربة د. ميراي شحادة حدّاد لتقول إن المرأة اللبنانية ما زالت قادرة على أن تكون شريكة أساسية في صناعة المعرفة، وحافظة للذاكرة، وراعية للإبداع.

 

ميراي حدّاد… امرأة جعلت من النشر مساحة للإنسان، ومن الكتاب رسالة، ومن الثقافة فعل محبة.

 

وفي سلسلة «وجوه نسائية رائدة»، نستحق أن نتوقف عند تجربتها لا لنقول إنها امرأة نجحت في مجال النشر فقط، بل لنقول إن أجمل ما في نجاحها أنها اختارت أن تجعل من نجاح الآخرين جزءاً من نجاحها.

 

وهذا، في زمننا، شكلٌ نادر وجميل من أشكال العطاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى