
سمر يموت
ليست الدعارة في لبنان حديثة العهد، ولا هي وليدة أزمة اقتصادية أو وسائل التواصل الاجتماعي. فبيروت عرفت الدعارة منذ عقود طويلة، وكان لها قانون يُنظّمها وشارع ارتبط بها وأسماء بقيت في ذاكرة المدينة. لكن ما تغيّر مع الزمن هو شكلها ووسائل الوصول إلى الزبائن وحتى طرق تشغيل النساء فيها.
فبعدما ارتبطت الدعارة في مراحل سابقة بأماكن محددة وبيوت معروفة، باتت اليوم أكثر قدرة على “التخفّي”، مستفيدة من التطوّر التكنولوجي الذي غيّر طريقة التواصل بين أطرافها. فدخلت تطبيقات التواصل المتعدّدة على الخط، وباتت الصور تُرسل إلى الزبائن إلكترونياً، واللقاءات تُرتّب عبر الهاتف قبل أن تتم في فنادق أو شقق أو شاليهات، فيما ظهرت شبكات تعمل وفق نظام الـ “Escort”.
من شارع المتنبي و”عفاف” و”ماريكا” وهما من أشهر النساء اللواتي ارتبط اسماهما بعالم الدعارة في بيروت القديمة، مروراً بقضية “شي موريس”، وصولاً إلى شبكات الفنادق والشاليهات اليوم، تبدلت أشكال الظاهرة ووسائلها، فيما بقيت الأسئلة المحيطة بها قائمة: ما الذي يدفع بعض النساء إلى ممارسة الدعارة؟ وأين يقع الحد الفاصل بين الممارسة بإرادة الشخص وبين الإكراه؟ ومتى تبقى القضية في إطار الدعارة ومتى تتحوّل قانوناً إلى اتجار بالأشخاص؟
من الشارع إلى الهاتف
تعكس المداهمات الحديثة والتحقيقات الأمنية الأخيرة حجم التحوّل في طريقة العمل. ففي واحدة من أحدث القضايا، بدأ التحقيق مع امرأة تمارس الدعارة داخل غرفة تستأجرها في أحد فنادق طريق المطار، قبل أن يقود تفتيش هواتفها إلى عشرات الصور والمحادثات مع زبائن وفتيات وأرقام محلية وخارجية، ويوسّع الشبهة من ممارسة فردية إلى احتمال وجود نشاط منظّم لتسهيل الدعارة.
وبحسب محاضر التحقيق، كانت المرأة (موقوفة)تتواصل مع الزبائن عبر “تيك توك” و”واتساب”، فيما أظهرت الأدلة الرقمية إرسال صور لفتيات وتحديد أسعار وترتيب لقاءات. وفي إحدى المحادثات، عُثر على 77 صورة أُرسلت إلى أحد الأشخاص، فيما تراوحت الأسعار الواردة في مراسلات أخرى بين 80 و100 دولار. وأظهر تحليل هاتف آخر محادثات مع نساء يرغبن في العمل في الدعارة، وطلبات لإرسال صورهن لعرضها على زبائن محتملين، إضافة إلى ترتيب لقاءات داخل فنادق.
هذه القضية ليست فقط التي فتحت المواجهة على شبكات الدعارة والإتجار بالبشر، فخلال الشهر الماضي، داهم مكتب مكافحة الاتجار بالأشخاص وحماية الآداب شاليهات في الجيّة بعد الاشتباه بممارسة الدعارة داخلها، فيما كشفت مداهمات أخرى شبكات في فنادق ومناطق مختلفة، بعضها يعمل وفق نظام الـ”Escort”، حيث يجري التواصل إلكترونياً مع الزبون وترتيب اللقاءات المدفوعة.
قبل عصر التطبيقات
قبل عصر التطبيقات بعقود، كان المشهد أكثر علنية. ففي عام 1931، صدر في لبنان قانون نظّم البغاء وبيوته وأخضعها للترخيص والرقابة والفحوص الطبية، فيما ارتبط شارع المتنبي في بيروت لاحقاً بعالم البغاء المرخص.
ومن ذاكرة تلك المرحلة بقيت أسماء تحوّلت إلى جزء من حكايات بيروت، بينها عفاف، أو بدور أسعد الداهوك، التي لمع اسمها في خمسينيات القرن الماضي وارتبط لاحقاً بواحدة من أشهر قضايا الدعارة السرية آنذاك، وماريكا سبيريدون، اليونانية الأصل التي أصبحت من أشهر شخصيات شارع المتنبي.
ومع توقف الدولة لاحقاً عن منح تراخيص جديدة، تراجع نموذج “بيوت البغاء المرخصة”، لكن الظاهرة لم تختفِ. انتقلت إلى أماكن أقل ظهوراً واتخذت أشكالاً مختلفة، وصولاً إلى الفنادق والشقق والمنصات الرقمية.
قانون العقوبات
هنا تظهر مفارقة قانونية. ففي مقابل قانون عام 1931 الذي نظّم البغاء المرخص، يعاقب قانون العقوبات اللبناني على “الدعارة السرية”، وتنص المادة 523 على معاقبة من يتعاطاها أو يسهّلها بالحبس من شهر إلى سنة، إضافة إلى الغرامة الماليّة. كما تتناول نصوص أخرى أفعالاً مرتبطة بإغواء الأشخاص إلى الدعارة أو إكراههم عليها والانتفاع من دعارة الغير.
لكن الدعارة والاتجار بالأشخاص ليسا مفهوماً واحداً، وليست كل ممارسة للدعارة اتجاراً بالبشر.
فقانون معاقبة جريمة الاتجار بالأشخاص رقم 164/2011 يتناول حالات اجتذاب شخص أو نقله أو استقباله أو احتجازه أو إيوائه، باستخدام وسائل من بينها القوة والتهديد والخداع واستغلال السلطة أو حالة الضعف، بقصد استغلاله. ويشمل ذلك إرغام الشخص على الدعارة أو استغلال دعارة الغير أو الاستغلال الجنسي. وعندما تتوافر هذه العناصر، لا تكون موافقة الشخص وحدها كافية لنفي وقوع جريمة الاتجار بالأشخاص.
بين الاختيار والإكراه
تختلف الأسباب والظروف المرتبطة بممارسة الدعارة من حالة إلى أخرى، ولا يمكن وضع جميع النساء في إطار اجتماعي أو اقتصادي واحد.
تقول الأخصائية في علم النفس الاجتماعي الدكتورة فريال عبد الله لـ “ليبانون ديبايت”، إن الدعارة “ليست ظاهرة جديدة، بل قديمة ومنتشرة في المجتمعات”، معتبرة أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تخلقها، وإنما جعلت حجمها أكثر ظهوراً.
وفي ظل الأزمات الاقتصادية، ترى عبد الله أن الدعارة قد تتحوّل لدى بعض النساء إلى “وسيلة للبقاء” عندما تضيق الخيارات ويصبح تأمين الطعام والمسكن والطبابة تحدياً يومياً. لكنها بالمقابل، تُحذّر من اختزال الظاهرة بالفقر، وتشير إلى عوامل أخرى قد تتداخل معها، بينها “التفكك الأسري والعنف والطلاق والهجر وتعاطي المخدرات والكحول وغياب الحماية”. وتلفت إلى وجود نساء يتعاملن مع الدعارة بوصفها مهنة ووسيلة لكسب المال، ما يستوجب، برأيها، “التعامل مع كل حالة وفق ظروفها”.
وتصبح مسألة “الموافقة” أكثر تعقيداً عندما يدخل الإكراه على الخط. وتقول عبد الله إن “ظهور المرأة وكأنها سعيدة أو موافقة على ما تقوم به لا يعني بالضرورة أنها اختارت ذلك بإرادتها الحرة”، موضحة أن الإكراه قد يكون جسدياً، لكنه قد يكون أيضاً نفسياً عبر التهديد والإذلال، أو اقتصادياً من خلال السيطرة على الأموال التي تجنيها.
“شي موريس”.. بين الدعارة والإتجار
ولعل قضية «شي موريس» عام 2016 قدّمت واحداً من أوضح الأمثلة على الفارق بين الدعارة والاتجار بالأشخاص. فما بدا في الظاهر ملفاً يتعلق بالدعارة كشف، وفق التحقيقات، عن عشرات النساء، غالبيتهن سوريات، تعرضن للاحتجاز والعنف والإجبار على ممارستها، لتصبح القضية واحدة من أشهر ملفات الاتجار بالأشخاص لأغراض جنسية في لبنان.
وهنا تكمن أهمية التمييز القانوني بين الحالات. فممارسة الدعارة لا تعني تلقائياً وجود جريمة اتجار بالأشخاص، كما أن تقاضي المال لا يحسم وحده طبيعة الواقعة. وجود الإكراه أو التهديد أو الخداع أو غيرها من العناصر التي يحددها القانون هو ما ينقل القضية، متى توافرت شروطها، إلى نطاق الاتجار بالأشخاص.
وبرأي عبد الله، لا يمكن معالجة ظاهرة تتداخل فيها عوامل اقتصادية وأسرية واجتماعية بالمقاربة الأمنية وحدها. فالأجهزة الأمنية تصل إلى الحالات التي تُكشف أو يتم التبليغ عنها، لكنها تسأل: “ماذا عن الحالات الموجودة في الأماكن المخفية التي لا يتم التبليغ عنها ولا نعرف عنها شيئاً؟”.
وترى أن المعالجة يجب أن تشمل، إلى جانب الملاحقة القانونية، “تعزيز الأمان الاقتصادي، ومساعدة الأسر التي تعاني العنف والإدمان والتفكك، والتدخل في الحالات التي يثبت فيها وجود إكراه، فضلاً عن تشجيع التبليغ عنها”، مشددة على أن الموضوع “لا يجب أن يبقى تابو”.
إذا أسباب ممارسة الدعارة، تختلف من حالة إلى أخرى، بين دوافع مادية وظروف اقتصادية واجتماعية، وصولاً إلى الإكراه والعنف والخداع. وبين الممارسة الإرادية والحالات التي قد تنطوي على اتجار بالأشخاص، تبقى لكل قضية ظروفها وتوصيفها القانوني.



