
لمناسبة انطلاق العام الدراسي، ألقت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي كلمة جاء فيها:
“أَبْنَائِي الطُّلَّابَ،
زَمِيلَاتِي وَزُمَلَائِي فِي الهَيْئَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ،
أَهْلَنَا الأَعِزَّاءَ،
نَفْتَحُ اليَوْمَ أَبْوَابَ مَدَارِسِنَا مِنْ جَدِيدٍ، لَا لِنُعْلِنَ بِدَايَةَ عَامٍ دِرَاسِيٍّ فَحَسْبُ، بَلْ لِنُؤَكِّدَ أَنَّ لُبْنَانَ، مَهْمَا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ الأَزَمَاتُ، لَا يَتْرُكُ أَبْنَاءَهُ لِلْخَوْفِ، وَلَا يَسْمَحُ لِلظُّرُوفِ أَنْ تَسْرِقَ مِنْهُمْ حَقَّهُمْ فِي التَّعَلُّمِ وَالحُلْمِ وَالمُسْتَقْبَلِ.
إِنَّ فَتْحَ المَدْرَسَةِ اليَوْمَ لَيْسَ خُطْوَةً إِدَارِيَّةً عَابِرَةً، بَلْ هُوَ فِعْلُ ثِقَةٍ بِأَطْفَالِنَا، وَبِمُعَلِّمِينَا، وَبِقُدْرَةِ مُجْتَمَعِنَا عَلَى النُّهُوضِ مِنْ جَدِيدٍ.
لَكِنَّ هَذِهِ البِدَايَةَ تَأْتِي بَعْدَ سَنَةٍ قَاسِيَةٍ جِدًّا عَلَى لُبْنَانَ، وَعَلَى مَدَارِسِنَا، وَعَلَى أَهْلِنَا وَأَطْفَالِنَا وَمُعَلِّمِينَا. وَقَبْلَ أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنِ العَوْدَةِ، يَجِبُ أَنْ نَتَوَقَّفَ عِنْدَ مَنْ لَنْ يَعُودُوا مَعَنَا:
عِنْدَ طُلَّابٍ وَمُعَلِّمِينَ فَقَدْنَاهُمْ، وَأَحِبَّاءَ غَابُوا؛ عِنْدَ أَطْفَالٍ يَعُودُونَ وَقَدْ فَقَدُوا أَبًا أَوْ أُمًّا أَوْ قَرِيبًا أَوْ صَدِيقًا؛ وَعِنْدَ عَائِلَاتٍ فَقَدَتْ بُيُوتَهَا، وَطُلَّابٍ تَبَدَّلَتْ أَمَاكِنُهُمْ وَمَدَارِسُهُمْ وَحَيَاتُهُمْ.
التَّعَافِي لَا يَبْدَأُ بِالنِّسْيَانِ، بَلْ بِالاعْتِرَافِ بِمَا أَصَابَنَا، وَبِأَنْ نَمْنَحَ الحُزْنَ مَكَانَهُ، ثُمَّ نُسَاعِدَ بَعْضَنَا بَعْضًا عَلَى أَنْ نُوَاصِلَ صُمُودَنَا وَتَصْمِيمَنَا عَلَى الأَمَلِ.
وَمِنْ هُنَا، فَعَوْدَتُنَا إِلَى المَدْرَسَةِ هِيَ بِدَايَةُ مَسَارٍ لِلتَّعَافِي وَاسْتِعَادَةِ مَا فَقَدْنَاهُ مِنْ تَعَلُّمٍ وَأَمَانٍ. وَسَتَكُونُ العَوْدَةُ تَدْرِيجِيَّةً، تُرَاعِي وَاقِعَ كُلِّ مَدْرَسَةٍ، وَهَدَفُنَا أَنْ تَنْتَظِمَ العَمَلِيَّةُ التَّعْلِيمِيَّةُ بِأَسْرَعِ مَا تَسْمَحُ بِهِ الظُّرُوفُ. وَسَيُسَاعِدُنَا التَّقْيِيمُ التَّشْخِيصِيُّ عَلَى مَعْرِفَةِ حَاجَاتِ طُلَّابِنَا وَتَوْجِيهِ الدَّعْمِ إِلَيْهِمْ.
فَالمَدْرَسَةُ لَا تُعِدُّ أَبْنَاءَنَا لِلِامْتِحَانِ فَقَطْ؛ إِنَّهَا تُعِدُّهُمْ لِلْحَيَاةِ. وَإِذَا كَانَتِ المَدْرَسَةُ تَحْتَضِنُ التَّعَلُّمَ، فَإِنَّ أَثَرَهَا نَصْنَعُهُ مَعًا.
أَبْنَائِي الطُّلَّابَ، أَنْتُمْ شُرَكَاءُ فِي صِنَاعَةِ تَعَلُّمِكُمْ. عُودُوا بِأَسْئِلَتِكُمْ وَأَحْلَامِكُمْ، وَلَا تَسْمَحُوا لِمَا عِشْتُمُوهُ أَنْ يَرْسُمَ حُدُودَ مَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تُصْبِحُوهُ.
وَزَمِيلَاتِي وَزُمَلَائِي المُعَلِّمِينَ، أَطْلُبُ مِنْكُمْ أَنْ تَرَوْا أَكْثَرَ: الطِّفْلَ خَلْفَ العَلَامَةِ، وَالسُّؤَالَ خَلْفَ الصَّمْتِ، وَالقُدْرَةَ خَلْفَ التَّعَثُّرِ؛ فَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَصْنَعُهُ المُعَلِّمُ أَنْ يُسَاعِدَ طَالِبًا عَلَى اكْتِشَافِ قُدْرَةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّهَا فِيهِ.
وَأَنْتُمْ، أَهْلَنَا، شُرَكَاءُ فِي هَذَا الأَثَرِ. فَحِينَ يَقِفُ البَيْتُ وَالمَدْرَسَةُ فِي الاتِّجَاهِ نَفْسِهِ، يَشْعُرُ الطِّفْلُ أَنَّ حَوْلَهُ مَنْ يُؤْمِنُ بِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَتَعَلَّمَ وَيَنْهَضَ.
أَمَّا مَسْؤُولِيَّتُنَا فِي وِزَارَةِ التَّرْبِيَةِ، فَلَا تَقِفُ عِنْدَ إِعَادَةِ فَتْحِ المَدَارِسِ. مَسْؤُولِيَّتُنَا أَنْ نَحْمِيَ اسْتِمْرَارِيَّةَ التَّعَلُّمِ، وَنُسَاعِدَ مَدَارِسَنَا عَلَى اسْتِعَادَةِ عَافِيَتِهَا، وَنُوَفِّرَ لِلْمُعَلِّمِينَ وَالطُّلَّابِ الدَّعْمَ الَّذِي يَحْتَاجُونَهُ، وَنَسْتَخْدِمَ التَّقْيِيمَ وَالمَعْلُومَاتِ لِنَعْرِفَ أَيْنَ تَكْمُنُ الفَجَوَاتُ، وَنُوَجِّهَ الدَّعْمَ حَيْثُ تَكُونُ الحَاجَةُ أَكْبَرَ.
هَدَفُنَا لَيْسَ أَنْ نَعُودَ إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ قَبْلَ الأَزْمَةِ، بَلْ أَنْ نَسْتَعِيدَ مَا فَقَدْنَاهُ مِنْ تَعَلُّمٍ، وَأَنْ نَبْنِيَ مَدَارِسَ أَقْدَرَ عَلَى حِمَايَةِ حَقِّ كُلِّ طَالِبٍ فِي التَّعَلُّمِ.
وَلَنْ نَسْمَحَ لِمَا أَصَابَ أَبْنَاءَنَا أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى خَسَارَةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ تُلَاحِقُهُمْ فِي مُسْتَقْبَلِهِمْ.
لَنْ نَتَوَقَّفَ عَنِ العَمَلِ، وَلَنْ نَقْبَلَ بِأَنْ تُصْبِحَ الأَزْمَةُ قَدَرًا دَائِمًا لِلتَّرْبِيَةِ فِي لُبْنَانَ.
فَفِي بَلَدٍ عَاشَ أَبْنَاؤُهُ كُلَّ هَذَا الخَوْفِ وَالفَقْدِ، تُصْبِحُ اسْتِمْرَارِيَّةُ التَّعَلُّمِ أَكْثَرَ مِنْ مَسْأَلَةٍ تَرْبَوِيَّةٍ؛ تُصْبِحُ مَسْؤُولِيَّةً وَطَنِيَّةً.
وَلْيَكُنْ فَتْحُ المَدَارِسِ اليَوْمَ إِعْلَانًا أَنَّنَا نَخْتَارُ الحَيَاةَ، وَنَخْتَارُ التَّعَلُّمَ، وَنَرْفُضُ أَنْ تُحَدِّدَ الأَزَمَاتُ مُسْتَقْبَلَ أَبْنَائِنَا.
وَكُلُّ مَدْرَسَةٍ تَفْتَحُ بَابَهَا هَذَا العَامَ، هِيَ خُطْوَةٌ جَدِيدَةٌ نَخْطُوهَا نَحْوَ لُبْنَانَ الَّذِي نُرِيدُهُ: لُبْنَانَ الَّذِي لَا تَكُونُ أَزَمَاتُهُ أَقْوَى مِنْ مُسْتَقْبَلِهِ، وَلَا يَكُونُ فَقْدُهُ أَقْوَى مِنْ أَمَلِهِ.
مَعًا، نُعِيدُ إِلَى المَدْرَسَةِ دَوْرَهَا، وَإِلَى أَبْنَائِنَا ثِقَتَهُمْ، وَإِلَى لُبْنَانَ فُرْصَتَهُ فِي النُّهُوضِ”.



