
بقلم سيندي أبو طايع
في لحظة حاسمة، حين كانت المباراة تحتاج إلى قرار سريع وتسديدة واثقة، كانت نسرين دندن تعرف تمامًا ماذا تفعل. كانت تتحرّك بثقة، تقرأ الملعب قبل أن يقرأه الآخرون، وتحوّل الثواني الأخيرة إلى مساحة جديدة للتألّق. في تلك اللحظات، لم تكن تسجّل نقاطًا فحسب؛ كانت تترك في ذاكرة من شاهدها صورة قائدة تعرف كيف تحمل فريقًا كاملًا على كتفيها.
لكن المشهد الذي يستحق التوقّف عنده اليوم ليس فقط ذلك الذي ظهرت فيه نسرين قائدة بقميص منتخب الأرز، والنادي الرياضي بيروت، ونادي الأنترانيك، وهي تقود وتنافس وتسجّل. المشهد الأهمّ هو ما جاء بعده: حين انتقلت من قيادة الفريق داخل الملعب إلى قيادة وصناعة جيل جديد خارجه، ومن تعليم زميلاتها كيف يفزن بالمباراة إلى تعليم الأطفال كيف يحبّون اللعبة والحياة.
وإذ أكتب عنها اليوم لا كصحافية رياضية تروي مسيرة لاعبة استثنائية فحسب، بل كواحدة من الذين تابعوها بشغف ومتعة، فلا أخفي أن نسرين كانت لاعبتي المفضلة منذ سنوات مراهقتي. كنت أتابعها لا بسبب أرقامها فحسب، بل بسبب الطريقة التي كانت تلعب بها. كان في أسلوب نسرين شيء يتجاوز المهارة والموهبة؛ كانت تلعب كرة السلّة وكأنها ترسمها. حركة، قراءة، سرعة، قرار في اللحظة المناسبة… باختصار لوحة فنية رياضية كاملة متكاملة داخل الملعب، تكاد تكون درسًا يُدرّس في فن اللعبة. وربما لهذا السبب بقيت صورتها واسمها في ذاكرتي، كما في ذاكرة كثيرين، حتى اليوم.
فالذين عرفوا نسرين لاعبةً، عرفوا فيها أكثر من هدّافة. عرفوا فيها امرأة حملت كرة السلّة بشغف وحبّ، وتعاملت معها بجدية، وعرفت أن ارتداء قميص لبنان ليس مجرّد شرف، بل مسؤولية. واللافت في نسرين أن علاقتها بالرياضة لم تكن يومًا محصورة باللاعبة التي ترتدي القميص وتدخل المباراة. فخلف تلك المسيرة كانت هناك معلّمة تربية رياضية تعرف أن الرياضة ليست مجرّد منافسة، بل مدرسة أخرى للحياة. فمنذ سنوات، كانت تحمل هذه الرسالة إلى طلابها، وتعرف أن الطفل لا يتعلّم من الرياضة كيف يسجّل فقط، بل كيف يلتزم، وكيف يركّز، وكيف يحترم القواعد، وكيف يعمل مع الآخرين، وكيف يحاول مرّة أخرى عندما لا تنجح محاولته الأولى. وربما لهذا السبب تحديدًا، لم يكن انتقالها من اللعب إلى التعليم خروجًا من كرة السلّة، بل دخولًا إليها من باب أوسع.
ومع مرور السنوات، لم تتوقف نسرين عن وضع خبرتها حيث يمكن أن تصنع فرقًا. ساهمت بخبرتها وحضورها في مساعدة فريقي بقنايا والتعاضد على الصعود إلى مصاف الدرجة الأولى، قبل أن تعود اليوم إلى الواجهة مع نادي الحكمة بيروت، وتكون ضمن الفريق الذي شقّ طريقه من الدرجات الأدنى وصولًا إلى مصاف أندية الدرجة الأولى للسيدات. وكأنّ نسرين، التي اعتدنا أن نراها تقود داخل الملعب، لم تسمح للسنوات بأن تأخذ منها ذلك الدور. تغيّرت القمصان، تبدّلت الأجيال، وتغيّرت مواقعها، لكن بقي شيء واحد كما هو: الرغبة في المنافسة، والإيمان بأن الخبرة لا تُحفظ في الذاكرة، بل تُمنح للآخرين.
فهي لا تزال هنا. تنافس، وتسجّل، وتطارد الفوز.
واسمها، ورغم مرور السنوات، لا يزال يصدح على أرض الملعب.
لكن الأجمل أن نسرين لم تعدّ تنظر إلى الملعب فقط من زاوية السلّة والنتيجة. فاليوم، تفتح المساحة لغيرها. وبدل أن تسجّل سلة في الثواني الأخيرة، تحاول أن تزرع في شخصية طفل شيئًا يبقى معه سنوات طويلة.
ففي عملها في أكاديميتها مع الأطفال بين السنتين والخمس سنوات، تقترب نسرين من عمر رياضي شديد الأهمية، حيث لا تكون الغاية صناعة لاعب محترف بقدر ما هي وضع الأساس لشخصيّة رياضيّة قويّة مع مرور السنوات. طفل يركض، يمسك كرة، يحاول التصويب، يخطئ ويضحك… لكن خلف هذه التفاصيل الصغيرة ترى نسرين شيئًا أكبر: الالتزام، والتركيز، والانضباط، وحب الحركة.
وهنا تكمن قيمة نسرين الحقيقية. هي لا تعلّم الطفل كيف يلعب كرة السلّة فقط، بل كيف يكون رياضيًا قبل أن يصبح لاعبًا. تعلّمه أن يستمع. أن ينتظر دوره. أن يركّز في ما يفعله. أن يحاول من جديد. أن يفهم أن الرياضة ليست مجرّد لحظة فوز، بل عادة تُبنى يومًا بعد يوم. وهذه ربما هي أجمل نقطة في حكاية امرأة أمضت سنوات طويلة وهي تسجّل النقاط.
فبعد أن عرفت معنى أن تكون الهدّافة، عرفت معنى أن تكون القائدة. وبعد أن قادت داخل الملعب، وجدت أن القيادة الحقيقية قد تكون في مكان آخر أيضًا: في أن تهيّئ الطريق لمن سيأتي بعدها.
لهذا، لا تبدو قصة نسرين دندن كقصّة بطلة استثنائية انتهت مسيرتها، بل كقصّة امرأة غيّرت موقعها داخل اللعبة. من لاعبة إلى معلّمة.
ومن معلّمة إلى صانعة جيل. ومن تسجيل النقاط إلى صناعة الأثر.
أما البطولات والأرقام، وهي كثيرة في مسيرتها، فتبقى جزءًا من الصورة، لكنها ليست الصورة كلّها. فالقيمة الحقيقية للرياضي لا تقاس فقط بما وضعه في سجل النتائج، بل بما تركه في ذاكرة الناس، وبما استطاع أن يمنحه لمن جاء بعده. ونسرين تركت الكثير. تركت صورة لاعبة كنت وأنا في سنوات مراهقتي، أراقب أسلوبها وكأنه لوحة فنية متكاملة أتعلّم منها. تركت صورة امرأة حملت قميص منتخب لبنان بمسؤولية، ولم تسمح للسنوات بأن تسحبها بعيدًا عن اللعبة. وها هي اليوم، رغم مرور العمر، لا تزال تقف على أرض الملعب، لكن بدور مختلف، وبطاقة تؤكد أن الشغف الحقيقي يتحوّل ولا ينطفئ. هي اليوم لا تبحث عن سلّة تسجّلها لنفسها.
تبحث عن طفل صغير قد يسجّل أول سلّة في حياته. وقد يكون ذلك الطفل، بعد سنوات، لاعبًا كبيرًا، وربما قائدًا جديدًا.
فماذا لو رأيناها تسجّل من داخل اللعبة وخارجها؟ عندها فقط نفهم أن نسرين دندن لم تتوقّف يومًا عن التسجيل. هي فقط غيّرت معنى التسجيل.



