أنقذوا قبطان السفينة بقلم سارة علاء 

 

في زوايا كثير من البيوت تعيش بطلة خارقة، لكنها من لحم ودم، إنها الأم التي تحمل على عاتقها مسؤولية الجميع، فتدير شؤون البيت، وتواجه قسوة الحياة خارجه، وبرغم شحّ الموارد، وضيق ذات اليد، وقلة الحيلة، تظل واقفة كالجبل، تدفع سفينة أسرتها إلى الأمام، وتبذل كل ما تستطيع لتصل بها إلى برّ الأمان.

خلف هذا الصمود حكاية أخرى لا يراها أحد؛ حكاية امرأة تخفي آلامها الجسدية، تكتم وجعها النفسي، تواري تعبها خلف ابتسامة متعبة، كله كي ترى أسرتها مستقرة وأبناءها ناجحين، لقد سعت طويلًا إلى حمايتهم من مشقات الحياة، لكنها، في غمرة عطائها، نسيت أن تحمي نفسها.

إن أصعب ما تعانيه هذه الأم ليس ضيق الإمكانات وحده بل ذلك الحرمان الصامت الذي فرضته على نفسها من سنين طويلة، فقد حرمت نفسها من أبسط مباهج الحياة، وتنازلت عن حقها في الاستقلالية والخصوصية، حتى لم يعد لها وقت خاص بها، ولا مساحة تستريح فيها بعيداً عن الواجبات المتراكمة، ومع مرور السنوات، وتوالي العطاء بلا حدود، بدأ الجسد يئنّ تحت وطأة التعب، وبدأت الروح تتوق إلى شيء من الراحة والاهتمام.

المأساة الحقيقية كانت في أن يتحول عطاؤها المستمر إلى أمر مسلّم به، أن يعتاد المحيطون بها على وجودها الدائم إلى درجة ينسون معها أنها إنسانة مثلهم؛ تتعب، تمرض، وتضعف، وتحتاج إلى من يساندها ويحتويها، إذ يمنح الآخرون لأنفسهم الحق في الشكوى والراحة، بينما تظل هي مطالبة بالصبر والتحمل، وكأن التعب لا يعرف طريقاً إليها، وكأن احتياجاتها تأتي دائماً في آخر القائمة.

من يسأل هذه الأم: ماذا تحتاجين؟ ومتى كانت آخر مرة ارتحتِ فيها حقاً؟ من يلتفت إلى وجعها قبل أن تضطر إلى إعلانه؟ ومن يكون لها السند حين تعجز عن مواصلة حمل الأعباء وحدها؟

مع تقدّم العمر وتراكم سنوات المسؤولية، قد تبدأ هذه الحصون التي بدت منيعة في الانهيار من الداخل، لأن الجسد الذي طالما تحمّل لا يمكن أن يبقى قوياً إلى الأبد، النفس التي اعتادت على كتمان الألم ليست بمنأى عن الإنهاك، حين تصل “الأم” إلى هذه المرحلة، لا يكفي أن نثني على صبرها، أو نشيد بتضحياتها، بل يجب أن نترجم محبتنا لها إلى أفعال حقيقية.

إنها دعوة إلى الأبناء والأسر جميعاً، التفتوا لأمهاتكم قبل فوات الأوان، لا تنتظروا أن ينهك المرض أجسادهن أو يستنزف التعب أرواحهن حتى تدركوا حجم ما قدّمنه لكم، فالأم لا تحتاج إلى كلمات الامتنان وحدها بل تحتاج إلى من يخفف عنها ويشاركها المسؤوليات، ومن يحترم خصوصيتها ويمنحها حقها في الراحة والاهتمام والحياة.

الأسرة الناجحة لا تُبنى على حساب صحة الأم، ولا ينبغي يكون ثمن استقرارها إنهاك الأم التي تحمل أعباءها، من حق هذه الأم بعد سنوات العطاء، أن تجد من يرعاها كما رعت، ويساندها كما ساندت، ويمنحها بعضاً من الراحة التي لطالما أجّلتها من أجل الآخرين.

أنقذوا قبطان السفينة؛ فليس عدلاً بأن ينشغل الجميع بالوصول إلى برّ الأمان، وينسوا من أمضت عمرها تقود السفينة إليه. المطلوب قليل من التقدير، كثير من المشاركة، شيء من الرحمة والاهتمام، فهذا قد يصنع فرقاً كبيراً في حياة الأمّ التي لا تطلب الكثير، التي اعتادت أن تمنح الجميع كل شيء، وتحتفظ بتعبها لنفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى