
كتب الاعلامي جورج الياس معلولي
بين سقوط الصليب، واستهداف المصلّين، وسؤال إبراهيم عن عدالة الله… أين نحن من العناية الإلهية؟
بقلم الإعلامي والباحث جورج إلياس معلولي
حين يقع الصليب على رأس كاهن فيقتله، وحين تمتدّ يد العنف إلى مصلّين داخل الكنائس، وحين يخطف الموت إنسانًا بريئًا في حادث مفاجئ، يقف المؤمن أمام سؤال يجرح القلب قبل العقل: أين الله؟ لماذا لم يتدخّل؟ ألم نصلِّ طلبًا للحماية؟ ألم نضع حياتنا بين يديه؟ وهل وصلنا فعلًا إلى الأزمنة الأخيرة، حتى بدا وكأن الشرّ يتمدّد فيما السماء صامتة؟
ليست هذه الأسئلة دليلًا على ضعف الإيمان بالضرورة، بل قد تكون صرخة إيمان يبحث عن جواب. إنها أسئلة المؤمن الذي لا يريد أن يفقد رجاءه، لكنه يتألّم حين يرى الشرير يقتل البريء، والعنف يطاول المقدّسات، والموت يطرق أبوابًا لم تكن تتوقّع أن تُفتح.
ومن هنا، لا بدّ من مواجهة هذه التساؤلات بشجاعة روحية وفكرية، بعيدًا عن التفسيرات السهلة التي تُحمّل الضحية مسؤولية ما أصابها، أو تعتبر كل مأساة عقابًا إلهيًا، أو تدّعي معرفة أسرار الله ومقاصده.
أولًا: هل نعيش الأزمنة الأخيرة؟
كلما ازدادت الحروب والاضطهادات والكوارث، عاد السؤال عن نهاية الأزمنة. ويقول الرب يسوع في إنجيل متى: «وسوف تسمعون بحروب وأخبار حروب. انظروا، لا ترتاعوا» (متى 24: 6).
إن كلام المسيح لا يدعونا إلى إنكار الشرّ، لكنه يحذّرنا من الاستسلام للخوف. فالحروب والاضطرابات ليست، بمفردها، دليلًا قاطعًا على أن نهاية العالم باتت وشيكة. بل إن الرب نفسه يقول عن ذلك اليوم وتلك الساعة: «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد» (متى 24: 36).
إذًا، لا يحقّ لنا أن نجزم بأننا نعيش الأزمنة الأخيرة استنادًا إلى حادثة مأساوية أو موجة عنف، وكأننا نمتلك معرفة موعد النهاية.
لكن ثمة معنى روحيًا أعمق لهذا السؤال: ألسنا مدعوّين إلى اليقظة في كل الأزمنة؟ أليس كل جيل مسؤولًا عن مواجهة الشرّ، وإحياء المحبة، وصون كرامة الإنسان؟
إن الاستعداد المسيحي لنهاية الأزمنة لا يكون بإشاعة الرعب، ولا بتفسير كل كارثة على أنها علامة غضب إلهي، بل بالتوبة والمحبة والعدالة والسلام. فالمسيحي لا ينتظر النهاية خائفًا فحسب، بل يعيش كل يوم باعتباره فرصة ليشهد للحقّ والمحبة.
ثانيًا: لماذا لا يتدخّل الله لمنع المآسي؟
هنا تكمن المعضلة الكبرى: إذا كان الله قادرًا على كل شيء، ومحبًّا لأبنائه، فلماذا يسمح بوقوع الشرّ؟ ولماذا لا يمنع اليد التي تقتل، أو الحادث الذي يخطف حياة إنسان، أو الاعتداء الذي يحوّل مكان الصلاة إلى مسرح للموت؟
لا يجوز أن نجيب عن هذا السؤال بجملة جاهزة، لأننا حين نواجه الموت لا نتعامل مع فكرة فلسفية مجرّدة، بل مع أمّ فقدت ابنها، أو عائلة خسرت أباها، أو جماعة مؤمنين شاهدت أحد خدامها يسقط أمامها.
والكتاب المقدّس نفسه لا يخفي هذا الصراع. ففي المزامير صرخات ألم وتساؤل وانتظار، وفي سفر أيوب نرى إنسانًا بارًّا يتألّم من دون أن يكون ألمه عقابًا مباشرًا على خطيئة ارتكبها.
ويقدّم لنا الرب يسوع موقفًا حاسمًا من التفسير الذي يربط كل مصيبة بخطيئة صاحبها. فعندما سأله تلاميذه عن الرجل الأعمى منذ ولادته: «يا معلّم، من أخطأ، هذا أم أبواه حتى وُلد أعمى؟» أجابهم يسوع: «لا هذا أخطأ ولا أبواه» (يوحنا 9: 2-3).
إن هذا الجواب يضع حدًّا لمحاولة تفسير كل ألم باعتباره عقابًا شخصيًا. فليس كل مريض خاطئًا أكثر من غيره، وليس كل ضحية مستحقّة لما أصابها، وليس موت البريء دليلًا على أن الله تخلّى عنه.
وفي إنجيل لوقا، يتناول يسوع حادثة سقوط برج سلوام الذي قتل ثمانية عشر شخصًا، ويسأل إن كان هؤلاء أكثر ذنبًا من سائر سكان أورشليم، ثم يرفض هذا الاستنتاج (لوقا 13: 4-5).
كأن المسيح يقول لنا: لا تحوّلوا المأساة إلى محكمة تصدرون فيها الأحكام على الضحايا، ولا تتوهّموا أن النجاة دليل على البرارة، وأن الموت دليل على الخطيئة.
أما لماذا يسمح الله بوقوع الشرّ أصلًا، فليس لدينا جواب يفسّر كل حادثة على حدة. يستطيع الإيمان أن يتأمّل في حرية الإنسان، وفي هشاشة الحياة، وفي عالم تتداخل فيه اختيارات البشر وقوى الطبيعة والظروف التي لا نملك السيطرة عليها. لكنه لا يمنحنا حقّ الادّعاء بأننا نعرف السبب الإلهي المحدّد وراء كل مأساة.
ثالثًا: هل فقدنا حماية الله؟
لعلّ هذا هو السؤال الأكثر إيلامًا: هل صلّينا طويلًا من دون جدوى؟ وهل أصبح المؤمن الذي يذهب إلى الكنيسة، ويرفع صلاته، ويضع ثقته بالله، مكشوفًا أمام الموت كأي إنسان آخر؟
علينا أن نميّز بين أمرين: الإيمان بالعناية الإلهية، والاعتقاد بأن الله يضمن لنا ألّا نتعرّض لأي خطر.
لم يقل المسيح إن الذين يتبعونه لن يتألّموا، أو إنهم لن يواجهوا الاضطهاد والموت. بل قال لتلاميذه بوضوح: «في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا: أنا قد غلبت العالم» (يوحنا 16: 33).
لم يعدهم بغياب الضيق، بل دعاهم إلى الثقة وسطه.
والأكثر دلالة أن المسيح نفسه، في بستان جثسيماني، صلّى قائلًا: «يا أبتاه، إن أمكن فلتعبر عنّي هذه الكأس» (متى 26: 39). ومع ذلك، لم تُرفع عنه كأس الآلام، بل دخل في طريق الصليب.
فهل يعني ذلك أن الآب تخلّى عن الابن؟ لا. فالصليب، في الإيمان المسيحي، ليس إعلانًا عن غياب محبة الآب، بل هو قلب الإعلان المسيحي عن محبة الله للإنسان، وعن دخول الله في عمق الألم والموت، وعن رجاء القيامة.
وهنا يجب أن نكون دقيقين: لا يجوز أن نقارن كل مأساة بالصليب بطريقة تلغي خصوصية آلام الضحايا، لكن يمكننا أن نؤمن بأن الألم ليس دليلًا كافيًا على غياب الله، وأن الموت لا يمتلك الكلمة الأخيرة في الإيمان المسيحي.
قد لا يمنع الله كل حادث، ولا يوقف كل يد قاتلة بالطريقة التي نرجوها. لكن المسيحية لا تحصر حضوره في المعجزات التي تمنع المصائب؛ إنها تعلّمنا أيضًا أن نبحث عن حضوره في التعزية، وفي تضامن الناس، وفي شجاعة من يحمي الضعيف، وفي العدالة التي تطالب بمحاسبة القاتل، وفي الرجاء الذي يرفض أن يجعل الموت نهاية كل شيء.
وهذا لا يعفينا من السؤال عن الشرّ، ولا يبرّر الصمت أمامه. فالإيمان بالعناية الإلهية لا يعني الاستسلام للخطر، بل يدعونا إلى حماية الحياة ومقاومة الظلم بكل الوسائل المشروعة.
رابعًا: هل نصلي لننال الحماية من الحوادث والقتل؟
الصلاة ليست تعويذة سحرية، وليست عقدًا نبرمه مع الله مقابل التزامنا الديني. لا نصلي كي نضمن أن حياتنا ستخلو من الحوادث، بل لأننا نؤمن بأن علاقتنا بالله أعمق من تبادل المصالح.
نصلّي طلبًا للحماية، وهذا أمر مشروع وجميل. نطلب الشفاء للمريض، والسلام للمجتمع، والنجاة للمهدّد، والحكمة لمن يتخذ القرارات. ونضع أمام الله مخاوفنا واحتياجاتنا، لأننا أبناء نثق بأبينا.
لكن إذا لم تقع الاستجابة بالصورة التي تمنّيناها، فهل يعني ذلك أن صلاتنا فشلت؟ أو أن إيماننا كان ضعيفًا؟ أو أن الله لم يسمعنا؟
لا. فهذه الاستنتاجات قد تضيف إلى جرح المتألّم شعورًا بالذنب لا مبرّر له.
إن الرب يسوع نفسه علّمنا الصلاة، ودعانا إلى طلب احتياجاتنا، لكنه لم يَعِد أتباعه بأن كل طلب سيُستجاب وفق توقيتهم وتوقّعاتهم. والصلاة المسيحية تجمع بين الجرأة في الطلب والتواضع أمام ما لا نفهمه.
إننا نصلي لأن الله يستحقّ الثقة، لا لأننا نمتلك وسيلة لإجباره على تحقيق إرادتنا. ونصلي من أجل الحماية، لكننا أيضًا نربط الصلاة بالمسؤولية: نمنع أسباب الخطر حيث نستطيع، ونحترم قواعد السلامة، ونواجه التحريض، ونحمي دور العبادة، وندافع عن المظلوم.
فليس من الإيمان أن نترك بابًا مفتوحًا للخطر ثم ننتظر المعجزة، وليس من الإيمان أن نبرّر تقصير الإنسان بالقول إن كل شيء مكتوب.
خامسًا: هل تخلّى الله عن شعبه لأنه يعيش في الخطيئة؟ وهل يُقتل البريء مع الخاطئ؟
هذا السؤال يعيدنا إلى واحدة من أعمق المواجهات بين الإنسان والله في الكتاب المقدّس: حوار إبراهيم مع الرب بشأن سدوم وعمورة.
حين أُعلن لإبراهيم أن القضاء سيحلّ بالمدينتين، اقترب إبراهيم وسأل سؤالًا يكشف عن حسّه بالعدالة الإلهية: «أفتهلك البار مع الأثيم؟» (تكوين 18: 23).
ثم تابع يسأل إن كان الله يهلك المدينة إذا وُجد فيها خمسون بارًّا، ثم خمسة وأربعون، وأربعون، وثلاثون، وعشرون، وصولًا إلى عشرة.
إن هذا الحوار ليس تفصيلًا عابرًا في سفر التكوين، بل هو مشهد بالغ الأهمية في العلاقة بين الإنسان المؤمن والله. إبراهيم لا يكتفي بالخوف من القضاء، بل يتجرّأ على السؤال عن العدالة، ويتمسّك بفكرة أن البريء لا ينبغي أن يُعامل معاملة المذنب لمجرّد أنه يعيش في المكان نفسه.
وهنا ينبغي أن نميّز بين النصّ الكتابي الذي يتحدّث عن حكم إلهي في سياق محدّد، وبين الحوادث التي تقع في عالمنا. فلا يحقّ لنا أن نستنتج أن كل حرب أو مجزرة أو حادث قاتل هو عقاب إلهي على خطايا جماعة أو شعب.
إن تعميم هذا المنطق على الضحايا الأحياء والأموات ظلمٌ لهم، وادّعاءٌ لمعرفة مقاصد الله لا نملكها.
والأهم أن يسوع نفسه يرفض أن تكون المأساة دليلًا على تفوّق أخلاقي لمن نجا أو على ذنب من مات. ففي إنجيل متى يقول إن الله «يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين» (متى 5: 45).
إننا نعيش في عالم لا تتوزّع فيه نتائج الأفعال والمصائب بصورة فورية تكشف دائمًا مَن هو البارّ ومَن هو الخاطئ. وقد ينجو ظالم، وقد يموت إنسان صالح، وقد يدفع الأبرياء ثمن قرارات لم يتّخذوها.
لكن هذا الواقع لا يعني أن العدالة الإلهية غير موجودة، بل يعني أننا لا نستطيع اختزالها في ما نراه يحدث أمام أعيننا، ولا أن نحكم على مصير إنسان الأبدي انطلاقًا من طريقة موته.
فإذا سقط الصليب على رأس كاهن فقتله، لا يجوز أن نقول إن الله عاقبه أو تخلّى عنه. وإذا قُتل مصلّون في كنيسة، فلا يجوز أن نحمّلهم مسؤولية الجريمة التي ارتُكبت بحقّهم. القاتل مسؤول عن فعلته، والمجتمع مسؤول عن مواجهة أسباب العنف، والمؤمن مدعوّ إلى التمسّك بالعدالة والرحمة معًا.
سادسًا: ماذا يقول الآباء القديسون عن الشرّ والألم؟
لم يتعامل الآباء القديسون مع مشكلة الشرّ وكأنها مسألة بسيطة يمكن إغلاقها بعبارة واحدة. لقد تأمّلوا في حرية الإنسان، وفي طبيعة الشرّ، وفي الألم، وفي قدرة الله على أن يفتح طريقًا للخير حتى في قلب المأساة.
يرى القديس أوغسطينوس، في كتاباته عن طبيعة الشرّ والعناية الإلهية، أن الشرّ ليس قوة مساوية لله، ولا كيانًا مستقلًا ينافسه، بل إن الشرّ الأخلاقي يرتبط بانحراف الإرادة الإنسانية عن الخير. وهذا لا يفسّر كل صور الألم، لكنه يساعدنا على فهم أن العنف الذي يرتكبه الإنسان لا ينبغي نسبته إلى الله وكأنه إرادة إلهية.
أما القديس يوحنا الذهبي الفم، ففي عظاته عن الألم والعناية الإلهية، يدعونا إلى عدم الحكم على حياة الإنسان من خلال ظروفه الخارجية وحدها، لأن الغنى والفقر والصحة والمرض والنجاة والموت لا تكشف وحدها عن قيمة الإنسان الروحية أو عن علاقته بالله.
ويذكّرنا القديس باسيليوس الكبير، من خلال تعاليمه عن المحبة وخدمة المحتاج، بأن الإيمان لا ينفصل عن مسؤوليتنا تجاه المتألّمين. فحين نرى الإنسان يتألّم، لا يكفي أن نقدّم تفسيرًا نظريًا لألمه؛ بل علينا أن نمدّ إليه يد المساعدة.
ولا يعني ذلك أن الآباء قدّموا تفسيرًا واحدًا متطابقًا لكل معاناة، بل إن تراثهم يدعونا إلى التواضع أمام السرّ، وإلى عدم تحويل التأمّل اللاهوتي إلى أحكام قاسية على ضحايا الألم.
إننا لا نعرف لماذا لم يقع تدخّل إلهي يمنع حادثة بعينها، لكننا نعرف أن تعاليم المسيح لا تسمح لنا بأن نبرّر القتل، أو أن نتخلّى عن المتألّم، أو أن نعتبر الشرّ خيرًا لمجرّد أنه وقع.
ويمكننا هنا أن نستحضر المعنى الذي يعبّر عنه القديس أوغسطينوس في تأمّلاته عن العناية الإلهية: أن الله قادر على أن يستخرج الخير حتى من الشرّ. لكن هذه الفكرة لا تعني أن الشرّ يصبح خيرًا، ولا أن الألم مرغوب فيه، ولا أن خسارة إنسان بريء أمر ينبغي أن نقبله بلا احتجاج. بل تعني أن الشرّ، مهما كان مؤلمًا، لا يستطيع أن يحرم الله من القدرة على فتح طريق للشفاء والعدالة والرجاء.
سابعًا: هل نفقد الرجاء ونتوقّف عن الصلاة؟
إذا لم نفهم كل ما يحدث، فهل نتوقّف عن الصلاة؟ وإذا لم نحصل على الحماية التي طلبناها، فهل نغلق قلوبنا أمام الله؟
إن أخطر ما يمكن أن تفعله المأساة بالمؤمن ليس فقط أن تزرع الخوف في قلبه، بل أن تقنعه بأن المحبة لا معنى لها، وأن الصلاة لا جدوى منها، وأن الشرّ انتصر نهائيًا.
لكن الرجاء المسيحي ليس إنكارًا للموت، ولا تجاهلًا للدموع، ولا وعدًا بحياة خالية من الألم. إنه الإيمان بأن الموت ليس الكلمة الأخيرة، وأن قيامة المسيح تفتح أمام الإنسان أفقًا يتجاوز حدود ما تستطيع أعيننا رؤيته.
يقول القديس بولس في رسالته إلى أهل رومية: «فإني متيقّن أنه لا موت ولا حياة… تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا» (رومية 8: 38-39).
إن هذه الكلمات لا تعني أن الموت لا يؤلم، أو أن الفقد سهل، بل تعلن أن الموت لا يستطيع أن يلغي محبة الله.
ولذلك، يحقّ للمؤمن أن يبكي، وأن يتألّم، وأن يصرخ، وأن يسأل: لماذا يا رب؟ فالإيمان ليس إلغاءً للأسئلة، بل استمرارًا في البحث عن الله حتى عندما لا نجد جوابًا كاملًا.
لقد صرخ المسيح على الصليب: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟» (متى 27: 46). وهذه الصرخة، المستمدّة من المزمور الثاني والعشرين، تذكّرنا بأن الألم الإنساني ليس غريبًا عن قلب الإيمان المسيحي. فالمسيحية لا تطلب من المتألّم أن يتظاهر بأنه لا يتألّم، بل تضع ألمه أمام الله.
من هنا، لا ينبغي أن نتوقّف عن الصلاة لأننا لم نفهم، بل أن نصلّي أيضًا من أجل أن نحصل على الشجاعة لمواجهة ما لا نفهمه، وعلى الحكمة لتمييز ما نستطيع تغييره، وعلى الإرادة لئلّا نكون شركاء في استمرار الشرّ.
ثامنًا: أين مسؤوليتنا نحن؟
ربما نطرح السؤال: لماذا لا يتدخّل الله؟ لكن علينا أيضًا أن نسأل: لماذا لا يتدخّل الإنسان؟
لماذا يقتل إنسان إنسانًا آخر باسم الدين؟ لماذا تتحوّل دور العبادة إلى أهداف للعنف؟ لماذا يُحرَّض الناس على بعضهم، ويُبرَّر القتل باسم العقيدة، وتُختزل كرامة الإنسان في انتمائه؟
إن الله الذي يدعونا إلى المحبة لا يعفينا من مسؤولية مواجهة الشرّ. وإذا كنّا نطلب حماية الله، فعلينا أن نكون نحن أيضًا حماة للحياة، وأن نرفض التحريض والكراهية والتكفير، وأن ندافع عن حقّ كل إنسان في الحياة والعبادة والأمان.
وفي هذا السياق، يصبح كلام المسيح عن محبة الأعداء تحدّيًا حقيقيًا: «أحبّوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم» (متى 5: 44).
لا تعني محبة الأعداء تبرير جريمتهم، ولا التخلّي عن العدالة، ولا السماح للمعتدي بمواصلة القتل. إنها تعني رفض أن يتحوّل قلبنا إلى نسخة أخرى من قلب القاتل، مع الإصرار على حماية الضحايا ومحاسبة المسؤولين.
وهنا يلتقي الإيمان باللاعنف: ليس بوصفه استسلامًا أمام الظلم، بل باعتباره التزامًا أخلاقيًا بمقاومة الظلم من دون تقديس الكراهية أو تحويل الانتقام إلى غاية.
إن الصلاة التي لا تقودنا إلى المحبة، والإيمان الذي لا يدفعنا إلى حماية المظلوم، والحديث عن الله الذي يُستخدم لتبرير قتل الإنسان، كلّها أمور تستحقّ مراجعة جادّة في ضوء الإنجيل.
خاتمة: هل غاب الله، أم أننا نبحث عنه في المكان الخطأ؟
لا أملك، ولا يملك إنسان، جوابًا كاملًا يفسّر لماذا يسقط الصليب على رأس كاهن فيقتله، أو لماذا يُقتل مصلّون في كنيسة، أو لماذا يخطف الموت إنسانًا بريئًا في لحظة لم يكن يتوقّعها.
ولا أريد أن أقدّم للمتألّمين جوابًا سهلًا يضيف إلى وجعهم وجعًا آخر، أو أن أزعم معرفة أسرار الله ومقاصده في كل حادثة.
لكنني أؤمن بأن الإنجيل يمنعنا من تفسير كل مأساة باعتبارها عقابًا إلهيًا، ويمنعنا من الحكم على إيمان الضحية أو استحقاقها للموت. وأؤمن بأن الصلاة ليست ضمانة سحرية ضد الخطر، بل علاقة ثقة بالله، وأن الإيمان لا يُقاس فقط بما ننجو منه، بل أيضًا بما نصبح عليه في مواجهة الألم والشرّ.
إن السؤال عن حماية الله مشروع، والبحث عن عدالته مشروع، والصرخة أمام الصليب الذي لم يمنع الموت مشروعة. لكن لا يجوز أن تتحوّل هذه الأسئلة إلى يأس نهائي، كما لا يجوز أن تتحوّل الإجابات الدينية إلى وسيلة لإسكات الضمير.
ربما لا نعرف لماذا لم يُمنع بعض الألم، لكننا نعرف أن القتل ليس مشيئة ينبغي أن نبرّرها، وأن البريء ليس مذنبًا لمجرّد أنه مات، وأن الله لا يدعونا إلى الاستسلام للعنف، بل إلى محبة الحياة والدفاع عنها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يرافقني، وأظنّه يرافق كل مؤمن صادق: إذا كنّا لا نفهم دائمًا كيف تعمل العناية الإلهية، فهل نستطيع أن نحافظ على إيماننا من دون أن نكفّ عن السؤال، وأن نحافظ على رجائنا من دون أن ننكر الواقع، وأن نواصل الصلاة من دون أن نحوّلها إلى صفقة مع الله؟
لعلّ النضج الروحي يبدأ حين نعترف بأننا لا نملك كل الأجوبة، لكننا نرفض أن نتخلّى عن المحبة. وحين لا نعرف لماذا لم يُمنع الشرّ، نختار ألّا نكون نحن أدواته. وحين نعجز عن تفسير دمعة البريء، لا نزيدها اتهامًا، بل نمسحها ونقف إلى جانبه.
فالإيمان ليس أن نفهم كل شيء عن الله، بل ألّا نفقد إنسانيتنا ونحن نبحث عنه. والرجاء ليس أن نضمن ألّا نموت، بل أن نؤمن بأن الموت لا يستطيع أن يفصلنا عن محبّة الله.



