فيروز تكبر عمرًا… ولبنان يكبر حنينًا

تطفئ فيروز اليوم شمعتها الـ91. لا بيان رسميًا يصدر، ولا إطلالة إعلامية ولا احتفال صاخبًا. يكفي أن يستيقظ اللبنانيون على أغنياتها ذاتها، منذ سبعة عقود تقريبًا، ليشعروا أن هذا اليوم ليس عاديًا: إنّه عيد سيدة تربط بين أجيالٍ وثلاثة أوطان في وطن واحد؛ لبنان الداخل، لبنان المنفى، ولبنان الحلم.

وُلدت نهاد وديع حدّاد في بيتٍ متواضع في بيروت، قبل أن تتحوّل إلى “فيروز” على يد حليم الرومي، وتجلس بصوتها على عرش الغناء العربي الحديث. منذ الخمسينيات، ومع تعاونها مع الأخوين رحباني، راحت تبني مدرسة كاملة في الموسيقى والمسرح، بلهجة لبنانية بسيطة وألحانٍ تُمازج بين الشرق والغرب، فتصير أغنياتها قصيرة وعميقة في آن، في زمن كانت فيه الأغنية العربية تمتد نصف ساعة وأكثر.

منذ استقلال لبنان، تداخل مسار فيروز مع مسار الجمهورية الفتيّة. غنّت للقرى والبيادر والشتاء والجسور، ثم غنّت لبيروت و”بحبك يا لبنان” ولأرضٍ تحاول أن تكون وطناً رغم كل شيء. خلال الحرب الأهلية، حين انقسمت العاصمة وأسوار الدم ارتفعت، اختارت فيروز أن لا تغنّي على أي جبهة، وأن تحصر حضورها بالحفلات خارج لبنان، لتترك أغنياتها وحدها تقوم بدور “المصالحة المستحيلة” بين المتحاربين. هكذا خرجت من الاصطفافات وبقيت ملكًا لذاكرة اللبنانيين جميعًا، مهما اختلفوا.

في البيوت، ظلّت الطقوس ذاتها: قهوة الصباح على صوت “رجع أيلول”، طريق العمل مع “نسم علينا الهوى”، وليالي الحنين على وقع “كان عنا طاحون”. لم يكن صوتها ترفًا فنيًا، بل جزءًا من الهوية اليومية: راديوات تفتتح بثّها بأغنية لفيروز، محطات تلفزيونية تخصص لها الصباحات، ومغتربون يربّون أبناءهم على كلمات لا يفهمونها كلها، لكنّهم يشعرون من خلالها بطعم بيتٍ تركوه خلفهم.

على مستوى الأرقام، قد يكفي القول إنّ فيروز سجّلت أكثر من 80 ألبومًا، وقدّمت ما يقارب 1500 أغنية، ووقفت على أهم المسارح العالمية من “ألبرت هول” في لندن إلى “كارنيغي هول” في نيويورك، لتصبح من بين أكثر الفنانين العرب مبيعًا وانتشارًا في التاريخ الحديث. لكنّ الأرقام، على ضخامتها، تبقى عاجزة أمام المعنى الرمزي: امرأة لبنانية خرجت من حيّ بسيط، وصارت “صوت بلد” و”سفيرته الأعمق” من كل بيانات الدبلوماسية.

عيد فيروز هذا العام يأتي أيضًا مثقلًا بحزنٍ خاص: هو أوّل عيد لها بعد رحيل ابنها ورفيق دربها الفني زياد الرحباني، الذي شكّل منذ السبعينيات جسرها نحو أنماط موسيقية جديدة، من الجاز إلى الفانك، ووقّع معها ألبومات غيّرت وجه الأغنية اللبنانية الحديثة. برحيل زياد قبل أشهر، شعر كثيرون أنّ جيلًا كاملًا من الموسيقى اللبنانية يطوي صفحة، وأنّ فيروز باتت آخر خيط حيّ يربط بين زمن المسرح الرحباني الأول وذاكرة المدينة المثقلة بالحروب والانهيارات.

ورغم ذلك، لا تزال السيدة تمارس “حضورها الصامت”: لا مقابلات، لا تصريحات سياسية، ولا تعليق على أزمات بلدها المتراكمة. حضورها الوحيد تقريبًا بات في التسجيلات والحفلات القديمة، وفي القداديس التي ترتّل فيها في مناسبات محدودة، وفي كل إعادة نشر على مواقع التواصل الاجتماعي لمقطعٍ من “زهرة المدن” أو “لملمت ذكرى لقاء الأمس”. هذا الصمت نفسه صار جزءًا من الأسطورة؛ ففيروز التي غنّت كل شيء، لم تعد مضطرة لقول أي شيء إضافي.

في بلدٍ يبدّل مسؤوليه وخطاباته وتحالفاته ومصارفه وقوانينه كل بضعة أعوام، تبقى فيروز من القلائل الذين لم يتبدّلوا. هي نقطة الثبات في وطن متحرّك، ومرآة للبنان الذي أحبّه الناس ولم يجدوه في الواقع: لبنان الحدائق، والبيوت الحجرية، والقطارات المتخيَّلة، والبحر الذي “بيضلّ يسافر”. لذلك، حين يختلف اللبنانيون على كل شيء تقريبًا، يلتقون غالبًا على جملة واحدة: “ما في لبنان بلا فيروز”.

في عيدها الـ91، لا تحتاج فيروز إلى تكريمٍ جديد بقدر ما يحتاج لبنان إلى أن يسأل نفسه: أي بلدٍ نريد أن نتركه للأغاني التي حفظناها عنها؟ بلادٌ تليق بمن غنّت “بحبك يا لبنان” ليست حلمًا موسيقيًا مستحيلًا، بل مشروعًا سياسيًا وأخلاقيًا مؤجَّلًا. وإلى أن يأتي ذلك اليوم، سيبقى اللبنانيون يطفئون معها شمعة جديدة كل عام، على أمل أن يشيخ صدى صوتها في التسجيلات، لكن لا يشيخ المعنى الذي حملته: وطن يستحق أن نحبّه كما غنّت له فيروز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى