
“تعرّضت لضرب مبرح مدة 14 عاما، وكانت حالتي تستدعي أحيانا التوجّه إلى المستشفى، حتى هربت”، هكذا روت هنادي، اسم مستعار، من سكان العاصمة اللبنانية، بيروت، معانتها مع زوجها الذي يرفض أن يطلقها، حتى تبقى تحت “جناحه”، حامدة ربها أنها لم تنجب منه.
يمكن أن يكون لهنادي ولنساء آخريات يتعرضن للعنف الجسدي واللفظي في لبنان، فرصة لحل مشاكلهن قريبا، وذلك بفضل مسلسل درامي عُرض خلال شهر رمضان المبارك، والذي يحمل عنوان “ع أمل”.
فما القصّة؟
على وقع التفاعل والقاعدة الجماهرية التي حصدها مسلسل “ع أمل”، كتابة ندين جابر، وانتاج جمال سنّان، تسارعت العجلة النيابية لتقديم مشروع يجرّم العنف ضد المرأة بأشكاله كافّة، ووقّعه عدد من النواب اللبنانيين مثل بولا يعقوبيان، نجاة صليبا، فراس حمدان، وغيرهم.
فما علاقة المسلسل الرمضاني؟ وهل للقانون فعالية؟
اعرف أكثر
مسلسل “ع أمل”.. من مسلسل إلى مشروع قانون
طُرح مسلسل “ع أمل”، الذي عُرض على منصة “شاهد” وعلى شاشة “أم تي في” اللبنانية، ليسلط الضوء على قضايا جريئة وواقعية.
فقد رفعت ندين جابر، كاتبة السيناريو، سقف التحدي لنقل واقع النساء المحبوسات تحت مظلة الذكورية، وكذلك تعرضهن للعنف الجسدي واللفظي باسم العادات والتقاليد.
تدور أحداث المسلسل بين بيروت وقرية كفرحلم، حيث تتعرض نساء عائلة حلم للقهر والاضطهاد من قِبَل الأب والأخ والزوج.
يأخذ الممثل اللبناني، عمار شلق، دور سيف، الذي يقتل شقيقته لغسل عار العائلة، ظنا منه أنها فرت مع حبيبها. وسبق له أن قتل شقيقته الأكبر سنا، سهاد أو يسار، التي تؤدي دورها الممثلة اللبنانية ماغي بو غصن، لكنها تنجو بأعجوبة وتهرب من القرية، في حين اعتقدت عائلتها أنها قتلت.
جسّد المسلسل واقع بعض النساء، من الضرب العنيف، والصراخ، والتقليل من دور المرأة، واقتصار عملها على تأدية واجباتها المنزلية.
بالمقابل، ركّز على انتفاض يسار على العادات والتقاليد، وحثّ النساء على أخذ حقّهن بقوّة القانون.
تفاعل المشاهدون بشكل كبير مع أحداث المسلسل على مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة بعد عرض الحلقة 25 حين قتل سيف شقيقته رهف، التي تؤدي دورها الممثلة سيرينا الشامي، برصاصة من دون أي شعور بالندم.
بدت الواقعة كأنها تحدث أمام المشاهدين فعلا، مما أثار موجة من الانتقادات والتعليقات المثيرة للجدل حول مدى قسوة الحدث وتأثيره على الشخصيات والمشاهدين على حد سواء.
ليس “ع أمل” المسلسل الأول الذي يتناول قضايا العنف ضد المرأة، لكنه دفع بعض النساء إلى الكشف عن معاناتهن. جاء هذا التفاعل في أعقاب تصريحات ندين جابر وماغي بو غصن خلال جلسة نقاشية على منصة إكس، حيث تحدثتا عن القانون المطروح لمكافحة العنف ضد المرأة، مع منظّمة كفى والنائب بولا يعقوبيان.
جريمتا قتل ضد النساء شهريا في لبنان
هنادي ليست الامرأة الوحيدة التي تعاني في المجتمع اللبناني، بل الطابع الذكوري الذي يفرض نفسه على هذا المجتمع وضع أكثر من 490 امرأة تقريبا تحت الخطر في الربع الأخير من العام 2023، وفقا لأرقام المنظمة اللبنانية “كفى” المعنية بمناهضة العنف ضد المرأة والطفل.
إذ تلقّت المنظمة أكثر من 490 اتصالا في هذه الفترة، 71% منها صنّفت كقضايا جديدة، وفقا لموقعهم الرسمي.
صحيح أن هنادي استطاعت الهروب من سجن زوجها التي كانت تظنّه مؤبدا، إلا أنها لم تشعر بالأمان يوما بسبب “شريعة الغاب التي تحكم الدولة اللبنانية”، حسب قولها.
وأشارت الإحصاءات الأخيرة، والتي صدرت في مارس 2024، إلى ارتفاع عدد الجرائم ضد النساء في لبنان، حيث وصل إلى 300 بالمئة خلال عام 2023. وقد وصل عدد قتلى النساء إلى 29 وفقا لمنظمة أبعاد، مما يعني وفاة امرأتين شهريا تقريبا. بينما بلغ إجمالي عدد الضحايا 11 امرأة، عام 2022.
لا يقتصر العنف على الضرب فحسب، إنما يشمل محاولات التحرّش والابتزازات على مواقع التواصل الاجتماعي، فارتفع عدد ضحايا الابتزاز الإلكتروني إلى 407 في العام 2023. وتلقت قوى الأمن الداخلي على خطها الساخن 767 شكوى، أي بمعدل 64 شكوى شهريا.
في التفاصيل، أوضحت الأرقام التي نشرتها “كفى” أيضا، أن 63% من النساء تتعرضن للعنف من قبل أزواجهنّ، لتوزّع الأرقام الباقية بين الطليق، أفراد من العائلة، وأفراد خارج العائلة.
قانون يعتبر العنف ضد المرأة انتهاكا لحقوق الإنسان
لذلك، تزامنا مع عرض “ع أمل” الذي يتطرق لمسألة العنف ضد المرأة، وإثر التفاعل الكبير بين المشاهدين، من خلال قصص بطلات العمل اللواتي جسّدن الواقع، قدّمت جمعية “كفى” بالتعاون مع النائب بولا يعقوبيان ونواب آخرون بمشروع قانون يهدف إلى مكافحة العنف ضد المرأة.
وتمت صياغة مشروع القانون الشامل لمكافحة العنف ضد المرأة بما يتماشى مع أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي.
وأكدت النائبة بولا يعقوبيان لبلينكس أن تمرير هذا القانون يتطلب تحديات كبيرة، مما يشبه الصعوبات التي واجهت اقتراح قانون منع زواج القاصرات.
وينص المشروع على أن: “العنف ضد المرأة يُعتبر شكلا من أشكال التمييز وانتهاكا لحقوق الإنسان، وجريمة يُعاقب عليها القانون”.



