شربل الغاوي- في عيد «مريم»… حين تصير الشاشة صلاةً تمشي على ضوء

وما البثُّ عندها موجاتٍ تُلتقط وحسب، بل نفَسٌ دافئٌ يمرُّ بين البيوت، يضمدُ ما تكسّر من اليوميّ، ويقول للمرأة: قومي… فإنّ قيامتكِ تبدأ من معرفتكِ بنفسك.

في عيدها السنوي، نُطفئُ ضجيجَ الأيام لحظةً، ونصغي. نرى شاشةً تُشبه يدًا رحيمة، تمتدُّ إلى امرأةٍ في مطبخها لتذكّرها أنّ الوصفة ليست طعامًا فقط بل تربيةُ ذوقٍ وحياة، وإلى أُمٍّ تُفاوضُ تعبها فتجدُ في حلقةٍ عن التربية مفتاحَ صبرٍ جديد، وإلى شابةٍ تبحث عن معنى فتلتقي في برنامجٍ ثقافيّ بوجهها الآخر: امرأةٌ تتعلّم لتتغيّر، وتتغيّر لتُغيّر.

«مريم» لا تبيعُ لمعانًا سريعًا؛
هي تصنعُ نورًا بطيئًا، نورَ المعرفةِ حين تُبسَّطُ دون ابتذال، ونورَ القيمِ حين تُحبّبُ دون وعظٍ ثقيل.

تأخذُ بيد المرأة بلطفٍ إلى صحّتها: تغذيةً ليست أرقامَ سعرات، بل تصالحًا مع الجسد بيتِ الروح.

وتأخذها إلى بيتها: لا لتفريغها فيه، بل لتسكُنَهُ بوعي؛ بيتٌ لا يُرمّمُ بالديكور وحده، بل بطاولةِ حوارٍ وابتسامةِ اعتذارٍ ونوافذَ تُفتح على الهواء.

وتأخذها إلى ذاتها: تنميةً ليست شعارات، بل تمارين صغيرة على أن تكون—أن تقول «لا» حين يلزم، و«نعم» حين تكون نعمُها خلاصًا.

ليست «مريم» للمرأة وحدها؛ إنّها للبيتِ كلّه.
حين تتوازنُ المرأة، يتوازنُ ميزانُ النهار

تتخفّفُ اللغةُ من العنف، يلينُ الصوتُ في المطبخ، ويصيرُ المساءُ قابلاً للغفران.

وحين تتثقّف، تتثقّفُ العائلةُ من حولها بلا استئذان:
يصبحُ الطفلُ أقلَّ خوفًا من الخطأ، والرجلُ أقلَّ خوفًا من قوّتها، والمجتمعُ أقلَّ خوفًا من المختلف.

في عيدها، نرى «مريم» تمشي على جغرافيا واسعة:
من بيروت التي تعلّمت من رمادها أن تكون خيمياءَ قيامة، إلى المهجر حيث امرأةٌ تفتح البثَّ في مطبخٍ بعيدٍ فتشمُّ رائحةَ بيتٍ قديم.

لغةُ «مريم» مشتركة: الطمأنينة حين تُقال بوضوح.
مسيحيّةُ الروح، إنسانيّةُ الوجه، وهدوءٌ يُشبه صلاةً تُغلقُ بابَ الصراخ.

ولـ«مريم» سرُّ صناعةٍ متقنة:
كاميرا لا تتطفّل على الوجع بل تضعُ له مقعدًا من احترام،
ومحرّرٌ يعرف أنّ الكلمةَ قبل أن تُذاع يجب أن تُطهَّر من التحيّز،
ومعدّاتٌ تشهدُ أنّ التقنيةَ حين تُسخَّر للمعنى، تُصبحُ أخلاقًا مرئيّة.
ثمّ جمهورٌ يكتبُ الحلقة الثانية من كلِّ حلقة: يطبّق، يُجرّب، يعودُ ليحكي.

هكذا تتحوّل الشاشةُ إلى حلقةِ درسٍ حيّة: تعلّمٌ، وتجربة، وخطوةٌ إلى الأمام.

ما هدفُ «مريم»؟
أن تُعيدَ تعريفَ «النجاح» للمرأة:
ليس القياسُ بعدد المتابعين، بل بعدد الحيوات التي تَخفّفَ حملُها.
ليس بعددِ الجوائز، بل بعددِ الأبواب التي فُتحت في بيوتٍ كانت مغلقة.

ليس بمقدارِ ما تُقالُ عنه، بل بمقدارِ ما توقظُه فينا.

وما رسالتها؟
أن تجعلَ من كلِّ فقرةٍ جسرًا، ومن كلِّ فكرةٍ ماءً، ومن كلِّ امرأةٍ مِلحَ أرضِها: تحفظُ الطعمَ فلا يفسد، وتُبقي للحياةِ معنى يُؤكل.
أن تُعيدَ الصداقةَ بين الجمال والأخلاق، بين الموضة والذوق، بين الصحّة والرحمة، بين البيت والعالم، بين الإيمان والعمل.

قد يقول قائل: الطريقُ طويل.
ونقول: نعم، لكنّ «مريم» اختارت خطىً لا تتراجع.
تطوّرُ أدواتها لتصلَ بأقلِّ ضوضاءٍ إلى أكثرِ قلوب،
تنتجُ محتوى يُسافرُ من الشاشة إلى اليد—وِرَشٌ، مبادرات، لقاءات، منصّاتٌ تُحاذي الشاشة ولا تُنافسها، بل تُتِمُّها.
تؤمنُ أنّ الحلقةَ الجميلة إذا لم تُثمرْ سلوكًا—فهي قصيدةٌ ناقصة؛
وأنّ المعرفةَ إذا لم تُقَرِّبْ بيننا—فهي علمٌ يتيم.

في عيدها، نُهديهَا عهداً مكتوبًا على حوافّ الضوء:
أن تبقي مرآةً لا تُجامل، وقلبًا لا يُتاجر، وبيتًا لا يُقفلُ بابَهُ في وجهِ السؤال.

أن تظلّي السيّدةَ التي تقول لكلِّ امرأة: مكانُكِ هنا… في مركزِ الحكاية.

لا على الهامش، ولا في آخر التترات، بل حيثُ تُكتبُ البدايةُ من جديد.

كلُّ عامٍ وأنتِ قناةً تُصلّي بالفعل:
تُعلّمين دون قسوة، وتُثقّفين دون تعالٍ، وتُجمّلين دون خداع.
كلُّ عامٍ وأنتِ تُشعلين فينا أبجديةً ألينَ من الخوف، وأشدَّ من الليل.

وكلُّ عامٍ وامرأتُكِ—التي من أجلها وُلدتِ—أقوى، أهدأ، وأبهى.

هكذا نحتفل: لا بالكيكِ وحده، بل بأن نعودَ معكِ إلى ما خُلِقَتِ القنواتُ لأجله—أن تجعلَ الإنسانَ أجملَ ممّا كان عليه أمس.

شربل الغاوي
مخرج وإعلامي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى