
عمان –
ففي وقت تشير إليه أرقام وزارة الاقتصاد الرقمي إلى أتمتة 72 % من الخدمات الحكومية حتى الآن، تكشف تجارب يومية لمواطنين، بأن تطبيق التحول الرقمي ما يزال ناقصًا، وإن اكتمل في الخطط.
“عائشة” بين التطبيق والنوافذ
تُجسّد تجربة عائشة حواتمة، وهي صاحبة مؤسسة غير ربحية تعمل في مادبا، عن واقع التحوّل الرقمي، كما يعيشه كثير من المواطنين، وتفصح لـ”الغد” بأنها تعتمد في عملها على أنظمة إلكترونية مع وزارات مثل الصناعة والتجارة، بحيث تُرفع الملفات إلكترونيًا، ويُنجز الدفع عبر المنصة، وتصدر الشهادات خلال ساعات دون مراجعة.
وتضيف حواتمة، أن “الأمر مختلف في البلديات ووزارة الزراعة ودائرة الأحوال المدنية. ففي كثير من المرات، نضطر إلى مراجعة مكاتب الوزارات والمؤسسات، لأن النظام الإلكتروني يتعطّل، أو يجري احتساب مبالغ مالية غير دقيقة أحيانا، أو نُطلب لاستكمال التوقيع ورقيا من مسؤول”، أو وجود موظفين غير متمكنين من استخدام النظام الإلكتروني في مؤسستهم، فيفضّلون التعامل الورقي عليه لتجنّب وقوعهم في الأخطاء”.
جزئية الأتمتة وتفاوت التطبيق
تمضي الإستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي نحو تحقيق الأتمتة الكاملة في الوزارات والمؤسسات بحلول العام المقبل، بعد بلوغ الخدمات الالكترونية الحكومية حاليا 1728 خدمة، وإدراج أكثر من 500 خدمة عبر تطبيق “سند”، إلى جانب منصات حكومية متنوعة، وفق بيانات وزارة الاقتصاد الرقمي، لكن التطبيق على الأرض ما يزال متفاوتًا بين مؤسسة وأخرى، وفق تصريحات سابقة لوزير الاقتصاد الرقمي والريادة.
يقول الخبير التقني د. عمران سالم، إن “المشكلة تكمن في أن كثيرا من الخدمات مرقمنة جزئيًا؛ فالمواطن يقدم الطلب إلكترونيًا، لكنه يضطر لاحقًا للحضور، كي يوقع ورقيا أو يدفع أو يطابق هوية.
ويضيف، أن التحول الرقمي في بعض المؤسسات والدوائر، لم يتجاوز الشكل، “إذ يجرى نقل البيروقراطية الورقية إلى النظام الإلكتروني دون إعادة هندسة الإجراءات، لتناسب البيئة الرقمية”.
تجربة المواطن أسامة الكفيري؛ مثال آخر على هذه الفجوة، يقول، إنه تقدم إلكترونيًا بطلب شهادة خلو أمراض، لكن عملية التقديم توقفت عند الخطوة الأخيرة، والتي تتطلب منه مراجعة طبيب لم يكشف عليه أبدا، لينتهي به المطاف إلى مراجعة الدائرة المعنية. كما يبين أنه واجه الموقف نفسه عند طلب “إثبات طالب” من جامعته، فاضطر لمراجعة الدائرة كي يستكمل توقيع رئيس القسم.
هذه النماذج، وفق سالم، تُظهر بأن التحول الرقمي ما يزال “يواجه عثرات في التنفيذ، ترتبط بالكوادر البشرية، والربط البيني المؤسسي، إلى جانب تباين الجاهزية الرقمية في المؤسسات الحكومية وبينها، وضعف التكامل بين الأنظمة وقواعد البيانات وضعف التدريب”.
ضعف التدريب والمعرفة الرقمية
وبينما تتسارع وتيرة رقمنة الخدمات، يبقى العنصر البشري؛ موظفًا أو مراجعًا، محور نجاح التجربة الرقمية أو تعثرها، وهو ما يوضحه سالم، حين يكشف بأن التحول ليس “مشروعًا تقنيًا” حسب، بل تغييرا إداريا، يتطلّب تأهيل وتحسين الكفاءات، وتبسيط الإجراءات قبل رقمنتها؛ داعيا لبرامج تدريب وتوعية واسعة للفئات الأقل استخدامًا للتقنية، ودعم المواطنين في التعامل مع المنصات.
أما حواتمة، فتبين بإن موظفين قد “لا يُحسنون” استخدام المنصات، أو لم يتلقّوا تدريبا كافيا للتعامل معها، ما يدفع معاملات إلكترونية للعودة إلى المسار الورقي.
في المقابل، تشير شهادات مواطنين، استطلعت “الغد” آراءهم، إلى أن جزءًا منهم ما يزال يفتقر للمهارة الرقمية، أو لا يُفعّل تطبيق “سند”، ما يحدّ من استفادته من الخدمات الإلكترونية.
هكذا، تتقاطع ثغرات التدريب عند موظفين مع فجوة بالمعرفة الرقمية لدى بعض المستخدمين، لتُبقي “النافذة الورقية” جزءًا من دورة الخدمة الإلكترونية.
الورق ما يزال حاضرًا
حتى مع تقدّم البنية الرقمية، تبقى البيئة القانونية والربط المؤسسي، عاملين حاسمين بإكمال الحلقة الإلكترونية من دون حدوث مراجعة للمؤسسات من المواطنين، لإتمام إجراء معاملاتهم.
سالم، بين أن الإطار التشريعي لم يُحدَّث بما يكفي لاعترافٍ كامل بالمعاملات الرقمية؛ فما تزال متطلبات النسخة الأصلية، أو التوقيع اليدوي قائمة في بعض الإجراءات، ما يخلق نقاط توقف حضورية في معاملات يُفترض بأن تكتمل إلكترونيًا.
وبالتوازي، فإن ضعف الربط البيني بين قواعد بيانات المؤسسات، يجعل المواطن “حلقة الوصل” بين أنظمة غير متصلة؛ والحلّ، كما يقترح سالم، أن يكون هناك تبادل بيانات مُلزِم بين الدوائر، ومنع طلب وثائق موجودة أصلًا لدى جهة حكومية أخرى.
وبهذا الصدد، تؤكد حواتمة، وفق تجربتها، أن غياب الوضوح أو الأعطال و”الإضافات” لمنصات بعض البلديات، يجعلها تعود إليها حضوريا، بينما تنجز معاملاتها بوزارة الصناعة والتجارة عبر النظام الإلكتروني بالكامل.
وفي هذا النطاق، تؤكد أنه من دون تحديث تشريعي مُحكَم، وربطٍ حكوميّ شامل، سيبقى الورق والتوقيع اليدوي “عُقدةً”، تفصل بين إستراتيجية الأتمتة وتجربتها، كما يعيشها المواطن.
بين الواقع والطموح
وفي وقت تسعى فيه الحكومة لتكريس مفهوم “الخدمة الرقمية الكاملة” العامين المقبلين، بعد نيل الأردن تكريما دوليا لتقدمه 11 مرتبة عالميًا في مؤشر الأمم المتحدة لتنمية الحكومة الإلكترونية، وفق وزارة الاقتصاد الرقمي على موقعها الإلكتروني، فإن التجربة اليومية للمواطن ما تزال تواجه عراقيل إدارية وتقنية، تجعل الشباك جزءًا من المعاملة حتى بعد رقمنتها، وفق مواطنين.
وبين الأرقام الرسمية والواقع العملي، تطل هذه الفجوة بوضوح بين منصات التحول الرقمي المعلن والخدمة الإلكترونية المنجزة فعليًا، وشبابيك المراجعين في الدوائر والمؤسسات.
وما دام المواطن يحمل أوراقه لكي يراجع دائرة أو مؤسسة، بعد إتمام معاملته إلكترونيًا، فإن الأتمتة في الأردن، ما تزال مجرد مشروع طموح لم يكتمل بعد، وينتظر اكتماله بعيدًا عن طوابير الانتظار وشبابيك الدوائر.
الوزارة: رقمنة 1728 خدمة
بدوره، أكد وزير الاقتصاد الرقمي والريادة سامي سميرات في تصريح لـ”الغد”، أن نسبة رقمنة الخدمات الحكومية في الأردن، بلغت 72 %، أي بما يعادل 1728 خدمة، أُنجز تحويلها عبر الوزارات والمؤسسات المختلفة، مبينا أن الوزارة تسعى للوصول لـ%80 في نهاية العام الحالي و100 % العام المقبل.
وأوضح سميرات أن بعض الخدمات ما تزال تتطلب حضور المواطن شخصيًا، إما لتوقيع المستندات الأصلية، أو للتحقق من الهوية قبل استكمال المعاملة، خصوصًا في الخدمات ذات الطبيعة القانونية أو الأمنية، مشيرا إلى أن الوزارة تحدث التشريعات مثل قانون المعاملات الإلكترونية ضمن مسارها التشريعي، مبين أن تفاوت الأتمتة بين المؤسسات يعود إلى طبيعة الخدمات وتعقيد الإجراءات، وأن العمل جارٍ على إعادة هندسة العمليات الحكومية، وتوحيد قواعد البيانات، بالتوازي مع تنفيذ مشروع الربط الحكومي الشامل الذي يُتوقع اكتماله مع نهاية العام المقبل، لتبادل البيانات بشكل آمن ومباشر بين المؤسسات.
وأشار سميرات إلى أن تطبيق “سند”، أصبح المنصة الحكومية الموحدة لأكثر من 500 خدمة رقمية، وأن قنوات ورقية أُغلقت تدريجيًا بعد جاهزية البديل الرقمي لتعزيز الاعتماد على الخدمات الإلكترونية.
وأوضح سميرات، أن تقييم استخدام المواطنين يجري برصد معدلات الطلب على الخدمات الرقمية، مقارنة بالقنوات التقليدية، لتحسين التجربة وتعزيز الثقة، مؤكدا أن الوزارة تواصل تطوير منظومة الهوية والتوقيع الرقمي، وتعمل على رفع مستوى الوعي والاستخدام، مع الالتزام بتطبيق أعلى معايير الخصوصية وحماية البيانات لضمان بيئة رقمية آمنة وموثوقة.



