
الرياض – حي جاكس
في ليلةٍ لم تشبه غيرها من ليالي العاصمة، تلاقت عراقة التراث الموسيقي اللبناني مع نبض الحراك الثقافي السعودي المعاصر. وتحت سقف مسرح “ذا ويرهاوس” (The WareHouse) في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، عاش الجمهور العاصمي أمسية استثنائية حملت عنوان الحنين، صاغت تفاصيلها المغنية والموسيقية القديرة إليانا ياسمين في حفل تكريمي خُصص لإرث جارة القمر، الأسطورة فيروز.
رحلة شعرية في عمق الذاكرة
لم تكن الأمسية مجرد استعادة تقليدية لأغنيات حفظتها الأجيال، بل تحولت إلى رحلة شعرية وثقافية قادتها الفنانة إليانا ياسمين، مستندةً إلى خبرة أكاديمية وفنية تفوق العشرين عاماً في عالم الموسيقى وتدريب الصوت. وبفضل تمكنها الفريد من التقاليد الموسيقية الشرق أوسطية والغربية على حد سواء، استطاعت ياسمين المقيمة في الرياض أن تضفي لمسة تعبيرية خاصة وعمقاً عاطفياً وموسيقياً تُرجم بوضوح في كل أداء حي على خشبة المسرح.
لقد نجحت الفنانة في بناء جسور بين الثقافات، حيث أعادت تفسير رصيد فيروز الخالد بأسلوب يتسم بالأناقة والأصالة؛ فجاءت التوزيعات والآهات متزنة، تحترم البناء الرحباني الأصيل وتتنفس بروح العصر، مما خلق حالة من “النوستالجيا” الممزوجة بالدفء والتقدير العالي من الجمهور الحاضر.
روائع رحبانية أشعلت ليل الدرعية
على مدار ساعتين، ومن الساعة التاسعة وحتى الحادية عشرة مساءً، تنقل الجمهور بين بساتين النغم الفيروزي. افتتحت الأمسية بجرعات مكثفة من الشجن، حيث قدمت إليانا باقة من أشهر الأعمال التي صاغت وجدان المستمع العربي.
وكان لروائع مثل “كيفك إنت” بأبعادها الدرامية، و”سألوني الناس” بشجنها العالي تفاعلاً استثنائياً من الحضور، لتمتزج الأجواء بعد ذلك بالطاقة الحيوية وإيقاعات التراث عبر أغنيتي “زوروني” و”بنت الشلّبية”. هذا التنوع المدروس في البرنامج الفني عكس قدرة ياسمين على التلون الصوتي وقدرتها على قيادة الفرقة الموسيقية بحرفية عالية تليق بمسرح نوعي كمسرح “ذا ويرهاوس”.
الأجواء العامة: حميمية ونخبوية
تميز الحفل بطابعه الدافئ والحميمي (Intimate Concert)، وهو الأسلوب الذي يفضله عشاق الفنون النخبوية، حيث تقترب المسافة بين الفنان والجمهور، ويصبح الإنصات جزءاً من العرض الفني. حي جاكس الثقافي شكل الخلفية المثالية لهذه الليلة؛ فبين جدرانه التي تفوح بالفنون التشكيلية والمعمار المعاصر، انسابت ألحان الأخوين رحباني لتثبت الموسيقى مجدداً أنها لغة عابرة للحدود والزمان.
انتهت الأمسية، لكن صدى صوت إليانا ياسمين وهي تشدو برصيد فيروز ظل عالقاً في زوايا “ذا ويرهاوس”، ليرسم لوحة فنية راقية أكدت أن الرياض باتت حواضناً تتسع لأجمل تجليات الإبداع والموسيقى الطربية الأصيلة.



