
تحقيق صحفي
إعداد: الدكتور أحمد عبدالغني الثقفي
تحرير عبير بركات
لم تعد عصابات الاحتيال المالي والإلكتروني تعتمد على القوة أو اقتحام المنازل أو سرقة المحافظ، بل أصبحت تدخل إلى الضحية عبر شاشة هاتف، أو رسالة نصية، أو مكالمة تبدو في ظاهرها رسمية، لتستولي في دقائق على مدخرات جُمعت خلال سنوات.
ومع التطور التقني المتسارع، لم يعد السؤال: هل يمكن أن أتعرض للاحتيال؟ بل أصبح: هل أمتلك الوعي الكافي لاكتشافه قبل وقوعه؟
في هذا التحقيق نسلط الضوء على عدد من النماذج الواقعية المستوحاة من أساليب احتيال متكررة، لنكشف كيف يفكر المحتال، ولماذا يقع كثير من الناس في الفخ رغم اختلاف أعمارهم ووظائفهم وخبراتهم.
⸻
الإعلامية… عندما لا تكفي الخبرة
تعتقد كثير من الأسر أن الثقافة أو الخبرة الإعلامية كفيلتان بحماية الإنسان من الوقوع في الاحتيال، لكن الواقع يثبت عكس ذلك.
إحدى الإعلاميات فوجئت بسحب مبلغ من حسابها البنكي بينما كانت البطاقة المصرفية بحوزتها داخل منزلها.
تقول إن المفاجأة لم تكن في قيمة المبلغ فحسب، بل في الطريقة التي حدث بها الأمر، إذ لم تكن تتوقع أن تتعرض لمثل هذه الحادثة رغم حرصها الدائم.
باشرت الإجراءات النظامية وأوقفت البطاقة وقدمت بلاغًا، إلا أن التجربة غيّرت كثيرًا من عاداتها في استخدام الخدمات الإلكترونية.
⸻
الموظف… رسالة واحدة كادت تكلفه راتبه
في صباح يوم عمل اعتيادي، تلقى موظف رسالة نصية تحمل هوية بصرية تشبه رسائل إحدى الجهات التي يتعامل معها باستمرار.
تضمنت الرسالة تنبيهًا بضرورة تحديث البيانات عبر رابط مرفق.
دخل إلى الصفحة، وبدأ بإدخال المعلومات المطلوبة، قبل أن ينتبه في اللحظة الأخيرة إلى اختلاف بسيط في عنوان الموقع الإلكتروني.
أغلق الصفحة مباشرة، وتواصل مع البنك، ليتأكد لاحقًا أن الرسالة كانت محاولة احتيال احترافية.
يقول: “ثوانٍ قليلة كانت كفيلة بخسارة راتب شهر كامل.”
⸻
المتقاعد… الثقة التي كادت تكلفه كل شيء
تلقى متقاعد اتصالًا هاتفيًا من شخص عرّف نفسه بأنه موظف في جهة حكومية.
كان المتصل هادئًا، يتحدث بثقة، ويذكر معلومات عامة عن الضحية لإضفاء المصداقية.
وبعد دقائق، طلب منه تزويده برمز تحقق أُرسل إلى هاتفه، بحجة استكمال إجراء رسمي.
لحسن الحظ، تذكر المتقاعد التحذيرات التي سمعها سابقًا، فأنهى المكالمة فورًا، ثم تواصل مع الجهة عبر قنواتها الرسمية، ليكتشف أن المكالمة كانت محاولة احتيال.
⸻
حلم خادمة… انتهى بخسارة المدخرات
بعد أشهر من الادخار، قررت إحدى السيدات استقدام خادمة لمساعدة أسرتها.
عثرت على إعلان مغرٍ، تضمن أسعارًا مناسبة وإجراءات سريعة.
تواصلت مع الجهة المعلنة، وحولت المبلغ المطلوب.
لكن بعد التحويل، تغير كل شيء.
توقفت الردود، واختفت أرقام التواصل، ولم تصل الخادمة، لتدرك أنها وقعت ضحية عملية احتيال استغلت حاجتها وثقتها.
⸻
منزل العمر… وضاع العربون
تُعد هذه القصة من أكثر الوقائع تأثيرًا.
شاب ووالدته كانا يبحثان عن منزل مناسب بعد سنوات طويلة من الادخار.
زارا الفيلا، وأعجبا بها، وغادرا على أن يستكملا الإجراءات.
بعد وقت قصير، تلقت الأم اتصالًا من شخص ادعى أنه يمثل المكتب العقاري.
أخبرها أن هناك مشترين آخرين، وأن تحويل عربون عاجل هو الضمان الوحيد للاحتفاظ بالمنزل.
لم تتردد.
حولت المبلغ فورًا.
وعندما وصل الابن ووالدته إلى المكتب العقاري، كانت المفاجأة الموجعة.
لم يطلب المكتب أي عربون.
ولم يكن الحساب البنكي الذي استقبل الأموال تابعًا له.
في دقائق معدودة، ضاعت مدخرات سنوات طويلة.
⸻
كيف يفكر المحتال؟
المثير للاهتمام أن المحتال لا يبدأ بسرقة المال، بل يبدأ بسرقة الثقة.
فهو يدرس سلوك الناس، ويعرف متى يضغط على مشاعرهم، ومتى يستخدم الخوف، أو الطمع، أو الاستعجال، أو حتى حسن النية.
وتعتمد أغلب هذه العمليات على ما يُعرف في الأمن السيبراني باسم “الهندسة الاجتماعية”، وهي أساليب نفسية تهدف إلى دفع الضحية لاتخاذ قرار متسرع أو الكشف عن معلومات حساسة دون أن تشعر بأنها تتعرض للخداع.
ولهذا السبب، فإن الضحية لا تكون دائمًا قليلة الخبرة، بل قد تكون من أكثر الناس تعليمًا أو خبرة.
⸻
لماذا تتكرر هذه الجرائم؟
يرى مختصون في الأمن السيبراني أن نجاح المحتالين يعود إلى عدة عوامل، من أبرزها:
* استغلال ثقة الضحية بالجهات الرسمية.
* استخدام تقنيات انتحال الهوية والرسائل المشابهة للجهات الحقيقية.
* الضغط النفسي من خلال الاستعجال أو التهديد بإيقاف خدمة.
* استغلال ضعف الوعي الرقمي لدى بعض المستخدمين.
* تطور أدوات الذكاء الاصطناعي التي تجعل الرسائل والمكالمات أكثر إقناعًا.
ويؤكد المختصون أن المؤسسات المالية والجهات الحكومية لا تطلب من العملاء عبر الهاتف أو الرسائل النصية الإفصاح عن كلمات المرور أو رموز التحقق أو البيانات السرية، وأن أي طلب من هذا النوع يستوجب إنهاء التواصل فورًا والرجوع إلى القنوات الرسمية.
⸻
صندوق المعلومات
أبرز وسائل الاحتيال اليوم
* انتحال صفة موظف بنك أو جهة حكومية.
* روابط مزيفة تشبه المواقع الرسمية.
* إعلانات وهمية للعقارات أو الوظائف أو الخدمات.
* حسابات استثمارية غير مرخصة تعد بأرباح خيالية.
* رسائل توصيل أو تحديث بيانات مزيفة.
* عروض بيع في وسائل التواصل بأسعار غير منطقية.
⸻
كيف تحمي نفسك؟
✔ لا تشارك رمز التحقق مع أي شخص.
✔ لا تحول أي مبلغ قبل التحقق من هوية الطرف الآخر.
✔ استخدم التطبيقات والمواقع الرسمية فقط.
✔ تجاهل الرسائل التي تدفعك للاستعجال.
✔ فعّل التنبيهات البنكية والمصادقة الثنائية.
✔ أبلغ الجهات المختصة فور الاشتباه بأي محاولة احتيال.
⸻
الكلمة الأخيرة
قد تختلف أسماء الضحايا، وتتنوع الحيل، وتتغير الوسائل، لكن الحقيقة تبقى واحدة…
كل عملية احتيال تبدأ بلحظة ثقة غير محسوبة، وتنتهي غالبًا بندم يصعب محوه.
إن التقنية، مهما بلغت من التطور، لا تستطيع أن تحمي من يتخلى عن التحقق، ولا يمكن لأي نظام أمني أن يمنع خسارة يقرر صاحبها تحويلها بيده.
لذلك، يبقى الوعي هو الاستثمار الحقيقي، والتثبت قبل اتخاذ القرار هو الحاجز الأقوى أمام المحتالين.
ولعل الرسالة الأهم التي تكشفها قصص الضحايا جميعًا هي أن المحتال لا يختار فريسته لأنها ضعيفة، بل لأنه وجد لحظةً غاب فيها السؤال البسيط:

“هل تأكدت قبل أن أثق؟”
بقلم: الدكتور أحمد عبدالغني الثقفي
كاتب وإعلامي سعودي
مشرف العلاقات الإعلامية الدولية – وزارة الإعلام



