هل أنصفت العدالة فرح التيماني بعد محاولات التضليل

 

هل أنصفت العدالة فرح التيماني بعد محاولات التضلي

هل عشرون عاما للقاتل تكفي؟

لم تكن فرح التيماني مجرد اسم عابر في سجل الجرائم، بل كانت شابة في عمر الورد، ابنة عائلة يشهد لها القاصي والداني بالأخلاق والسمعة الطيبة والتربية السليمة. كانت إنسانة متعلّمة، صاحبة أحلام وطموحات، تستحق أن تُروى قصتها بميزان الحقيقة والعدالة، لا أن تتحول إلى مادة للمزايدات والاستثمارات الإعلامية الرخيصة.

 

والمؤلم في بعض القضايا أن الجريمة لا تنتهي عند وقوعها، بل تبدأ بعدها فصول أخرى من التشويه والتضليل ومحاولات قلب الحقائق. فبينما ينتظر الناس كلمة حق تنصف الضحية وتحفظ كرامتها، يخرج من يحاول إعادة رسم المشهد بصورة مغايرة، وكأن المطلوب ليس كشف الحقيقة، بل تبرئة الجلاد وتحميل الضحية أوزاراً لم ترتكبها.

 

إن أي محاولة لتصوير الجاني على أنه عاشق مكسور أو صاحب علاقة عاطفية نبيلة تصطدم، قبل أي شيء، بمنطق الوقائع والعقل. فالحب لا يقتل، والاحترام لا ينتقم، والمشاعر الصادقة لا تتحول إلى أدوات للعنف والحقد. ومن يدّعي أنه أراد الارتباط بفتاة ثم يعمد إلى ملاحقتها أو إيذائها أو الانتقام منها بعد رفضها له، لا يمكن وصفه بالمحب، بل بالمهووس الذي عجز عن تقبّل إرادة الآخر، فاستبدل الاحترام بالعدوان، والقبول بالحقد.

 

لقد أثبتت تجارب كثيرة أن بعض الأشخاص لا يحتملون كلمة “لا”، فيحوّلون رفضهم إلى مشروع انتقام، ويعتبرون استقلالية المرأة وحقها في الاختيار إهانة شخصية تستوجب الرد. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن الجريمة تصبح نتيجة عقلية مريضة ترى في الإنسان ملكية خاصة لا كائناً حراً له قراره وكرامته.

 

لكن العتب الأكبر لا يقع على الجاني وحده، بل على أولئك الذين يرفعون لواء الدفاع عنه متجاهلين حجم المأساة. فمن المؤسف أن يتحول دم الضحايا إلى سلعة في سوق الشهرة أو المال أو المصالح، وأن تُستغل المآسي الإنسانية لتحقيق مكاسب آنية أو لخلق جدل يدرّ المشاهدات والتفاعلات.

 

أما بعض المنابر الإعلامية التي تركض خلف “الترند” بأي ثمن، فإنها تتحمل مسؤولية أخلاقية لا تقل خطورة. فالإعلام وُجد ليكون صوت الحقيقة، لا منصة لتبييض صورة المجرمين أو صناعة البطولات الوهمية لهم. وعندما تُسخّر الكاميرات والمنصات لتبرير الجريمة أو التشكيك بالضحية أو قلب الأبيض أسود والأسود أبيض، فإننا لا نكون أمام ممارسة إعلامية، بل أمام انحدار خطير في رسالة المهنة.

 

إن الدفاع عن حق المتهم بمحاكمة عادلة أمرٌ مقدّس في دولة القانون، لكن تحويل هذا الحق إلى حملة لتشويه الضحية أو تلميع صورة الجاني هو أمر مختلف تماماً. فالعدالة لا تُبنى على طمس الحقائق، ولا على اغتيال الضحية معنوياً بعد اغتيالها جسدياً.

 

فرح التيماني لم تعد قادرة على الدفاع عن نفسها، لكن واجب المجتمع والإعلام والقضاء أن يحفظوا كرامتها وحقها في الحقيقة. فالقضايا الإنسانية ليست مسرحاً للاستعراض، والدماء ليست وسيلة لزيادة نسب المشاهدة، والعدالة لا تُشترى ولا تُباع.

 

في زمن كثرت فيه الأصوات واختلطت فيه الروايات، يبقى الضمير هو المعيار الوحيد. فخافوا الله في الضحايا، وخافوا الإنسانية في أحكامكم، وخافوا ضمائركم قبل أن تخافوا الرأي العام. لأن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت، ولأن كرامة الضحية يجب أن تبقى فوق كل حساب، وفوق كل ترند، وفوق كل حفنة من الدولارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى