
بدا الأمر واضحًا حين لمس الشعب اللبناني ومراكز الأبحاث أنّ النظام السياسي اللبناني فشل في إعتماد خطة إقتصادية واضحة والدليل على هذا الأمر عجــز هذا النظام عن تلبية إحتياجات المجتمع اللبناني وتوزيع موارده بشكل عادل كما تنص عليه القوانين المحلية والدولية . وفقًا للإحصاءات التي تُجرى بشكل دوري عبر مركز PEAC تظهّـرَ عجز هذا النظام السياسي السابق والحالي عن تلبية إحتياجات الموطنين اللبنانيين ، وفي الإطار القانوني والدستوري هذا الأمر أدّى إلى تراجع ثقة الشعب اللبناني في المؤسسات الحاكمة ( السلطة الإجرائية – السلطة التشريعية – السلطة التنفيذية )،وبالفعل عمليًا نتج عن ذلك العجز تراكم الأزمات الإقتصادية – المالية – الإجتماعية دون ظهور حلول جذرية ، وإنْ صادفنا مسؤولاً يكون الأمر من باب رفع العتب لا أكثر ولا أقّـلْ .
السياسة الإقتصادية لا تقوم فقط على نصوص دستورية وقانونية ، ولا وعود موسمية على ما إليه المسؤولون، بل إنها فعليًا تحتاج إلى دعائم فكرية – إقتصادية – مالية – إجتماعية ، كي تكـون مستدامة ومستقرّة . وأولى هذه الدعائم سياسة صادقة تعتمد على الديمقراطية الفكرية المنهجية لا على فكر هامشي مِطواع وأمراض هذه السياسة المنهجة في الجمهورية اللبنانية متشعبة في جــزء كبير منها منظومتها السياسية التي تعتمد على المحاصصة والمذهبية ، معطوفة على فكر إقصائي متوتِّرْ النهج متكرِّرْ الشعارات الفارغة الغير باحث عن حلول .
في “العلوم السياسية ” إنّ النظام الإقتصادي الذي يُنهكْ الشعب هو “الإقتصاد الريعي” وما يُعرف ب”الرأسمالية المتوحشة” الغير منضبطة وتتمثل في تصرفات أمراء الميليشيات الحاكمة خلافًا للأصول الديمقراطية منذ أنْ أُقِرّتْ وثيقة الوفاق الوطني التي هي نتاج أكبر أزمة سياسية سبّبها “حروب أمراء الطوائف وإدعاءاتهم محبة الدولة” . غالبًا كمركز أبحاث PEAC وعند مراجعة ومتابعة بعض الدراسات نلاحظ أنّ أهم علماء الإقتصاد أسس قواعد يقوم عليها الإقتصاد الناجح والمثمر ، ولكل دراسة غاية ألا وهي التطور الإقتصادي وبالتالي تحقيق أكبر قدر ممكن من الرفاهية للمجتمع .
علتْ في الأيام الماضية صرخات المواطنين فيما خصّ الهواتف الخليويّة حيث يتُّمْ الإتصال بهم لدفع الرسم الجمركي عن هاتف محمول بحوزتهم ، وهذا الأمر ربما يكون ناتجًا عن تقاعس بعض الأجهزة الجمركية العاملة على المراكز الحدودية ، هذا الأمر أدّى إلى عوقب وخيمة ومباشرة تؤثِّرْ على الأمن القومي بما معناه : الإستقرار الإقتصادي ، لأنّ الجمارك ليستْ مجرّد جهة لتحصيل الرسوم ، بل هي قانونيًا خط الدفاع الأول للدولة . في هذا الإطار ما ذنب المواطن في حالة تقاعس أجهزة الدولة عن أداء واجباتها ، لا بل هو عمليًا الضحية الأولى والمتضرِّرْ الأكبر من هذا التقصير . دائمًا في العـودة إلى مبدأ العلوم السياسية حيث ينظر إلى العلاقة بين المواطن والدولة كعقد إجتماعي متبادل يلتزم فيه المواطن بالقوانين وتسديد الضرائب مقابل إلتزام الدولة بتقديم الخدمات الأساسية وحفظ الأمن والإستقرار ، سؤال يطرح على هامش مبدأية العلوم السياسية : هل النظام السياسي الإقتصادي يعمل بهذه التوجيهات ؟ طبعًا لا .
نظام سياسي إقتصادي فشل يُنْهِـك الشعب ، هذه هي فعليًا معاناة الشعب عندما تُثْقِـل كاهله الضرائب العشوائية وغير مدروسة والتي تفرض في غالب الأحيان دون مراعاة لأي وضع إقتصادي – إجتماعي – معيشي ممّا يؤدي إلى إنهاك القوة الشرائية وزيادة الأعباء النفسية والمالية . الوضع أصبح خطيرًا جدًا ولم يعد المواطن بإمكانه السكوت عن سوء الأوضاع القائمة ، والأمر الأشد إيلامًا وضع ضريبة على الطاقة الشمسية مقابل دولة عاجزة عن تأمين القطاع الكهربائي وكأنّ هذا الأمر هو معاقبة المواطن اللبناني على إعتماده على هذا الأمر ، أضف إلى ذلك الضريبة على قطاع المياه والمياه ، الضريبة الغير مبرّرة على قطاع الخليوي … بصريح العبارة دولة تنوي من خلال الضرائب العشوائية تمويل نفقاتها الغير شرعية بجباية يدفعها المواطن من دون أن يستفيد من عائداتها ، دولة تعتمد على اللبنانيين لجمع الضرائب لتنفقها على المحاسيب والأنصار والزعران وعلى المتسوّلين السياسيين.
الشعب اللبناني ضحية نظام سياسي إقتصادي فاشل أنتج الفشل السياسي الإقتصادي بشكل ذريع وبإمتياز قـلّ نظيره في ظل غياب المؤسسات الرقابية العادلة وسيطرة مجموعة من السياسيين الفاشلين العملاء يحمون مصالحهم ومصالح الخارج على حساب الصالح العام .
بالفعل الشعب اللبناني هو ضحية سياسي إقتاصدي فاشل وفاسد ، والظاهر أنّ هذا النظام بكل مكوناته في تأمين حقوق اللبنانيين المنصوص عنها في الدستور وشرعة حقوق الإنسان ، وهذا الأمر هو نتيجة لسياسات حكومية فاشلة إمتدّت منذ العام 1990 ولغاية تاريخه ، وأنّ المسؤولين اللبنانيين ( علمانيين ورجال دين ) لم يقرأوا أسباب الأزمات ومصادرها لأنّ لديهم الشعور بأنّ حصاناتهم لا يعلو عليها أي قانون وهذه هي أحد الأسباب الجوهرية للمشكلة … ولكن في الظروف الحالية من الصعب للغاية العثور على خطة لحث النظام على أخـذ زمام أي مبادرة إنقاذية ، إنما الحل يكون فعليًا وعمليًا من خلال إعتماد نظام إنتقالي يُنهي هذه الحالة الشاذة ، ولكن للأسف تبقى تطلعاتنا الإنقاذية مجرد حبر على ورق أمام نظام سياسي إقتصادي فاشل همّه مصالحه الخاصة ومصلحة الغريب .
بسام ن ضو ( كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية )



