لماذا تتفكك الزيجات في لبنان؟

أرقام الطلاق في لبنان على تصاعد مستمر لا ينبئ بالخير، وتبدو انعكاسًا مباشرًا لكل الأزمات الحياتية والاقتصادية والأمنية التي يعيشها البلد، لكن أبعد من ذلك تبدو الأرقام وكأنها إنذار بواقع جديد يهدد دور الأسرة المحوري من جهة، والتوازن الديموغرافي والسكاني من جهة أخرى. تاريخيًّا، كانت الأسرة تشكل إحدى أهم وأقوى ركائز المجتمع اللبناني، لكن يبدو اليوم أن أساليب العيش الجديدة والاستقلالية المتزايدة للنساء، إلى جانب الضغوط المعيشية والخطر الدائم المتربص بالحياة، باتت تدفع نحو تركيبات عائلية أكثر هشاشة تحمل تبعات الأوضاع النفسية والاجتماعية والمادية لأفرادها.

8823 هو العدد المتداول لحالات الطلاق في العام 2025، وفقًا لإحصاءات مبنية حول جداول الأحوال الشخصية. وقد ورد هذا الرقم في إحصاءات شركة “ستاتيسكس ليبانون”، كما في إحصاءات الشركة الدولية للمعلومات ومبادرة “غربال” التي نشرت أن نسبة الطلاق في العام 2025 طالت حوالى 30% من جميع الزيجات. وعدد حالات الطلاق على تزايد مضطرد منذ العام 2010، ولم يشهد إلا تراجعًا محدودًا في العام 2020 تزامنًا مع جائحة كورونا، وفي العام 2024 بسبب الحرب وما رافقها من تهجير ونزوح واضطراب في عمل الدوائر الرسمية. وقد ارتفعت حالات الطلاق من 5732 في العام 2010 إلى 8541 في العام 2023، وصولا إلى الرقم الأخير الذي أطلق جرس الإنذار، لا سيما أنه ترافق مع انخفاض واضح في عدد الزيجات نسبة إلى ما قبل العام 2019. إذ تشير إحصاءات “ستاتيسكس ليبانون”، على لسان مديرها ربيع الهبر، إلى أن الزيجات تراجعت بنسبة 38%، وبلغت أدنى مستوى لها في العام 2024 مقارنة مع الأعوام السابقة. ورغم كون بعض السنوات، مثل العام 2021، قد شهدت تحسنًا في أعداد الزيجات، إلا أنه لم يكن تحسنًا ثابتًا ومستقرًّا، إذ عادت الأعداد بعدها إلى التراجع.

بين الأزمات والطلاق زواج ماروني

إحصائيًّا، ووفق مبادرة “غربال”، لا تشهد المناطق اللبنانية كافة النسبة ذاتها من ارتفاع معدلات الطلاق، بل تختلف الأعداد وفقًا للتوزع الطائفي من جهة والكثافة السكانية من جهة أخرى. وتربعت على عرش أعلى خمسة أقضية في نسب الطلاق: بيروت مع النسبة الأعلى التي بلغت 35.4%، وتلتها عاليه، طرابلس، بعبدا وحاصبيا. أما الأدنى في نسب الطلاق فكانت البترون مع نسبة 14.6%، ثم بشري والهرمل والكورة وكسروان. وهذا ما يشير إلى كون حالات الطلاق في الأقضية ذات الغالبية المسيحية، ولا سيما المارونية منها، أدنى من الأقضية ذات الغالبية المسلمة، الشيعية أو السنية أو الدرزية، وهو أمر مفهوم نظرًا إلى تعقيدات الطلاق عند المسيحيين، ولا سيما الموارنة. وأبعد من تزايد حالات الطلاق، تراجعت نسبة الولادات في لبنان، التي بلغت، بناء على سجلات الأحوال الشخصية التي اعتمدت عليها إحصاءات “غربال”، نسبة 21% بين العامين 2009 و2025، حيث انخفضت الأرقام من 89850 إلى 70986، مع تراجع كبير في العام 2022 الذي شهد 62868 حالة ولادة فقط. ويعتبر ربيع الهبر أنه مع الانخفاض الحاد في نسب الزواج وارتفاع حالات الطلاق وتراجع الولادات وزيادة الوفيات، لا سيما إثر انفجار المرفأ وفي الحربين الأخيرتين، لا زيادة في النمو السكاني في لبنان، لا بل قد يشهد لبنان نموًّا سلبيًّا، بحيث لا تعوض الولادات الجديدة عدد الوفيات، ونكون عندها أمام مشكلة حقيقية كبرى تهدد بمستقبل غير واضح.

من يتابع أرقام الطلاق يلاحظ أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالظروف الحياتية التي ترافقها، وتشهد علوًّا وهبوطًا وفقًا لأحوال البلد والمجتمع. فقد شهدت نسب الطلاق ارتفاعًا بعد أزمة 2019، لكنها تراجعت إثر جائحة “كوفيد”، وانخفضت جدًّا في العام 2024 مع الحرب الأولى، لتعود إلى الارتفاع في العام 2025. ولا شك أن الأزمات المتلاحقة، ولا سيما الاقتصادية والمالية، كان لها الأثر الكبير في حالات الطلاق، “فالقلة تولد النقار”، كما يقول المثل، وبات تفكك الأسرة واحدًا من الانعكاسات الصامتة للأزمات اللبنانية المتراكمة. ولم يعد الطلاق ينعكس على الأزواج وحدهم، بل يمتد إلى الأطفال والتوزع السكاني والإنجاب والهجرة وحتى التركيبة الديموغرافية للمجتمع اللبناني.

ما بُني على باطل

ولكن ماذا لو كانت حالات الطلاق تشي بتحول اجتماعي كبير في مفهوم الزواج؟ ماذا لو كانت مرتبطة بسوء الاستعداد للزواج أكثر من ارتباطها بالحالة الاقتصادية وحتى الأمنية للبلد؟ الاختصاصية في علم النفس العيادي زينة حبيش تعتبر أن ارتفاع نسبة الطلاق في المجتمع اللبناني يعود بداية إلى عامل مؤثر جدًّا، وهو أن الفكرة لم تعد عيبًا أو محرّمًا، بل صارت مقبولة في المجتمع. لم تعد تابو، بل تحولت إلى “تراند”، حيث تسوق وسائل التواصل أن لا مشكلة إذا وقع الطلاق بين شريكين، ولا هو فشل، بل هو نوع من نجاح شخصي.

حتى مفهوم الزواج في لبنان تغيّر، فسابقًا كان الزواج مبنيًّا على فكرة أنه يجب على من بلغ سن الزواج أن يتزوج، أما اليوم فالاختيار يتم على كون الشريك شخصًا جيدًا، جميل الشكل، أحواله المادية جيدة… دون التعمق في أبعاد العلاقة وما يفرضه الزواج من مسؤولية وتوافق بين الطرفين. وصارت المعادلة سهلة: نتزوج، وإذا لم تسر الأمور كما يجب نطلق. خاصة أن معاملات الطلاق باتت أسهل. الانطلاقة إذًا خاطئة، وحين يسمع اللاوعي هذه المعادلة يصبح مستعدًّا لها، فيما الاقتناع منذ البداية بضرورة إنجاح الزواج والتحضير له كما يجب وعدم أخذه ببساطة يجعل ركائزه أشد صلابة، يصعب أن تؤثر عليها حتى أشد الظروف صعوبة وقتامة. لا شك أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية قد تسبب عنصرًا ضاغطًا على الزواج، لكنها ليست السبب الرئيسي للطلاق، فالوعي في الاختيار والتفاهم يمكنه أن يجعل الشريكين يتخطيان كل الصعوبات في الغنى والفقر. أما التحجج بالحالة الاقتصادية فما هو إلا قناع يختبئ الشريكان وراءه لتبرير المنطلق الخاطئ الذي بُني عليه زواجهما.

وفق علم النفس، لا بد بداية أن يفتش الشخصان المقدمان على الزواج عن الأمور المشتركة بينهما، والتحلي بفهم واقع الآخر، لا البحث عن المثالية فيه. من هنا تتجلى أهمية التحضير الجدي للزواج دينيًّا أو من خلال علم النفس، وهو الأمر الذي بات معظم المقبلين على الزواج يتجاهلونه أو يتخطونه، إذ قد يُقدم شخصان على الارتباط وكل منهما لا يعرف الآخر حق المعرفة، وليس لديه كذلك وعي لنفسه ولدوره ومسؤولياته. والمعرفة هنا لا تعني المظاهر والتصرفات الخارجية فقط، بل معرفة المبادئ والقيم التي يشتركان بها وتكوين الآخر النفسي والأخلاقي، إذ حين يعرف الشريك شريكه بالعمق لا ينصدم به بعد الزواج. كما أن الوعي الذاتي لا يكون فقط من خلال ما يحب الفرد أو ما يكره، بل بالعودة إلى صورة العائلة ومدى تصالح الفرد مع صورة أهله، والعودة إلى الصعوبات والمشاكل العائلية والعلائقية والنفسية التي مر بها وكم تخطاها، حتى لا يكون الزواج انعكاسًا لهذه الصعوبات أو الآلام. فالزواج ليس مجرد دور اجتماعي، بل هو لقاء بين تجربتين حياتيتين مختلفتين. وحين يكون لدى كل طرف الوعي الذاتي وفهم للآخر وقبوله، تصبح العوامل الداخلية أقوى وأشد متانة من العوامل الخارجية الضاغطة.

الحائط المسدود

وفق علم النفس، يمكن حتى لزواج سعيد أن يصل إلى حائط مسدود. وكم نشهد اليوم في محيطنا أزواجًا كنا نراهما مثاليين في علاقتهما يصلان إلى مرحلة الطلاق. فالسعادة ليست فقط في الراحة المادية أو في الاستقرار، بل يمكن أن يصل الزوجان إلى مرحلة معينة يشعران فيها أن ثمة جوانب من شخصيتهما لا يعيشانها كما يجب، أي لم تكتمل ولم تتطور، وأن ثمة شيئًا ناقصًا. هنا يمكن للشريك الذي يشعر بهذا النقص أن يكمل حياته مع شريكه، وإن كان حزينًا في داخله، أو يمكنه أن يفتش عن أفق آخر، وهذا ما يدفعه نحو الطلاق. في هذه الحالة، تقول الاختصاصية النفسية، يمكن للشريكين أن يصلا إلى تفاهم عبر الحوار. فالإنسان متغير، ينمو ويتطور، وكل شريك يجب أن يواكب هذا التطور وأن يبذل جهدًا للوصول إلى التوافق من خلال فهم احتياجات الآخر التي تبدلت مع تطوره. وبهذه الطريقة يستمر الزواج، أما إذا كبتت المرأة أو الرجل حقيقتهما أو احتياجاتهما فقد يصلان إلى طريق مسدود. وهنا تنصح الاختصاصية النفسية كل شريك بأن يكون صادقًا مع نفسه وعلى طبيعته، ومن الطبيعي أن يقوم بمجهود من أجل الشريك، ولكن ليس بشكل مستمر وعلى حساب احتياجاته الخاصة، لأن التظاهر قد يؤدي إلى الانفجار.

فيما مضى، تقول الاختصاصية الاجتماعية غريس كرم، كانت المرأة مضطرة أن تكبت احتياجاتها لإرضاء الشريك، وكان ذلك هو المتوقع منها. أما اليوم، فالمرأة صارت قادرة على التعبير عن احتياجاتها الخاصة، وخرجت من دور الضحية ولم تعد تقبله، وصارت المعادلة: معًا نضحي. أمهات اليوم بات لديهن منظور مختلف للتضحية وفهم أن الزواج شراكة حقيقية وتضحية مشتركة. وما سهّل الوصول إلى هذه القناعة أمران: الاستقلالية المادية للمرأة أولا، وسهولة المعلومات والإجراءات ثانيًا. ففي حال حدوث مشاكل بين الزوجين، صار بإمكان المرأة الوصول إلى الإجراءات التي تسهل عليها الانفصال عن الشريك بسهولة. فهي لم تعد مضطرة لتحمل ما لا تستطيع بسبب صعوبة الطلاق والمعاملات ونظرة المجتمع. اليوم، الطلاق بات سهلا نسبيًّا، دينيًّا ورسميًّا. كما أن التجارب الاجتماعية من حولنا أثبتت أن الطلاق لم يعد فشلا، بل إن الشخص المطلق يمكن بسهولة أن ينتقل إلى شخص أفضل يعيش معه حياة أكثر نموًّا وسعادة، وهذا مفهوم اجتماعي جديد يساهم في تطوير النظرة والاستعداد للطلاق.

أخيرًا، لا يمكن إنكار ما كان لجائحة كورونا وللحروب المتتالية من تأثير على زيادة نسبة الطلاق. فالإنسان حين يواجه الموت لا يعود راغبًا بتحمل ألم علاقة فاشلة غير مرضية، كما تصبح قدرته على تحمل الألم أقل نظرًا إلى كل ما يعانيه من ظروف خطرة تضع حياته على المحك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى