
تعقد غداً اللجان النيابية المشتركة جلسة من أجل مناقشة اقتراح قانون يرمي إلى إنشاء رعاية صحية أولية شاملة إلزامية. المشروع لا يُقدّم باعتباره صيغة توحيدية للصناديق الضامنة، بل لإنشاء «دكانة» جديدة، ولا يُقدّم باعتباره خدمة أساسية لكل المواطنين تموّلها الخزينة العامة، بل هو مشروع فردي يُموّل برسم من المشترك وببعض الرسوم. هو، باختصار، نسخة مُشوّهة من مشروع أعدّه الوزير السابق شربل نحاس في عام 2011، واستقال عندما قرّرت قوى السلطة منعه من تفكيك نظام الزبائنية من خلال منع هذا المشروع. كان مشروع نحاس يغطّي الجميع، بحدّ أدنى من التقديمات الأساسية، وبمعزل عن وضعهم في سوق العمل، وهو مشروع مُموّل من الخزينة العامة في سياق توحيد كل الصناديق الضامنة، لإعادة توجيه وتركيز الموارد نحو مؤسّسة واحدة تعزيزاً لكفاءتها وتقليصاً لأكلافها وتحسيناً لقدرتها على شراء المُستلزمات والأدوية الطبية.
مضت 16 عاماً على مشروع نحاس لإنشاء تغطية صحية مجانية مُموّلة من الخزينة. في هذه الفترة جهدت قوى السلطة من أجل تشويه مُقترحه الذي وصفته بأنه مشروع فاشل. هي تراه كذلك، لأنه كان يحدّ من قدرة أصحاب السلطة في لبنان على ممارسة الزبائنية في تقديم الخدمات الصحية الأساسية للجميع في لبنان. فهناك مجموعة واسعة من دكاكين المؤسسات الضامنة التي يتوجب للولوج إليها والاستفادة من تقديماتها، التحوّل بشكل تلقائي وقهري إلى زبون سياسي، وإلّا ستكون الخدمات في أدنى مستواها. وفي المقابل، تضع كل مؤسّسة نظاماً مختلفاً للتقديمات، وآلية تمويل مختلفة عن سواها، وبالتالي تشتري خدمات الاستشفاء والطبابة والأدوية والمستلزمات الطبية بأسعار مختلفة. وكل مؤسسة لديها مورّدون تتعامل معهم، ولكل مورّد حظوة ما، عند هذه الدكانة أو الأخرى، ربطاً بقدراته وعلاقاته.
المهم أن نظام التغطية الصحية المُتعدّد الأطراف، لم يكن يكن يشمل كل المقيمين في لبنان (الضمان للمُصرّح عنهم من أصحاب العمل، والتعاونية لمن يعمل في الدولة، والصناديق العسكرية لمن انتسب إلى هذه المؤسسات….)، وكان مُموّلاً بطرق مختلفة القسم الأكبر منها من الخزينة، وهناك قسم يُقتطع من الرواتب، ومنها ما هو اشتراكات يدفعها أصحاب العمل والعمال. وتوحيد هذه الصناديق، لم يكن هدفاً اعتباطياً، بل كان أساس المسألة من أجل تقديم خدمات أوسع تشمل كل المقيمين في لبنان وبحدّ أدنى للجميع، وبكلفة مقبولة على الخزينة.
رفض قوى السلطة لهذه الاقتراحات انتهى إلى اقتراحات اعتباطية بديلة كان أولها إنشاء مشروع بطاقة صحية. ثم برزت نسخة مُنقّحة عن مشاريع قوى السلطة، أعدّها النائب بلال عبد الله في أيار 2023 لإنشاء نظام يوفّر تغطية صحية للبنانيين الذين لا يستفيدون من أي نظام تغطية صحي آخر. أي منح التغطية لأولئك المتروكين منذ عقود من خلال «دكانة» جديدة. وتضمّن الاقتراح في صيغته الأولى خدمات مثل الفحص الطبي السنوي، والفحوصات المخبرية والشعاعية، والاستشفاء في المستشفيات الحكومية، والاستشفاء في المستشفيات الخاصة المتعاقدة مع وزارة الصحة، إضافة إلى غسيل الكُلى وأدوية الأمراض السرطانية والمُستعصية، مع إمكانية إضافة خدمات صحية أخرى وفق الأصول المُحدّدة في الاقتراح. واعتمد المشروع على تمويل من مصادر متعدّدة من الرسوم والضرائب من بينها رسم على الثروة، ورسوم مرتبطة بالتأمين الإلزامي على المركبات، ورسوم على بعض السلع والمُنتجات المُستوردة، ومنها التبغ والمشروبات الروحية ومشروبات الطاقة والعطور ومستحضرات التجميل، إضافة إلى رسم على أرباح بعض المؤسسات التي تقوم بعمليات التحاويل النقدية، ورسم على صفقات اللوازم والأشغال والخدمات مع الدولة والجهات العامة. كما نص الاقتراح على مساهمة من الموازنة العامة، وعلى إمكان الاستفادة من الهبات والتبرّعات والقروض.
أُنشئت لجنة فرعية لدراسة المشروع، وتوصّلت إلى إقرار مبدأ مساهمة الشخص المشترك بنسبة 5% من الحدّ الأدنى للأجور مقابل خدمات الرعاية الوقائية، والاستشفاء في المستشفيات الحكومية والخاصة المتعاقدة، وغسيل الكُلى، وأدوية السرطان والأمراض المُستعصية. وفي عام 2025 بدأت اللجنة الفرعية تدرس الكلفة المتوقّعة للرزمة الأساسية من دون إعلان أي رقم. وفي المقابل درست الإيرادات المتوقّعة من الرسوم والضرائب المُقدّرة بنحو 130 مليون دولار من 11 رسماً يمكن أن تشكّل موارد للنظام. وها هو المشروع يعود مجدّداً إلى اللجان المشتركة لحسم مسائل التمويل والرسوم والإدارة والعلاقة مع وزارة الصحة والضمان الاجتماعي.
الاخبار



