عود ناجي.. حين يتحوّل العطر إلى هوية، والزجاجة إلى حكاية

 

جدة – عبير بركات

في قلب أحد المراكز التجارية الحيوية مجمع العرب مول بمدينة جدة، وبالقرب من ردهة المطاعم التي تعج بالحياة والنكهات، يشدُّ الزائر ركنٌ صغيرٌ في مساحته، لكنه كبيرٌ في تأثيره، آسرٌ في رائحته، وعميقٌ في رمزيته. إنّه “عود ناجي”، الذي لا يقدّم العطور فحسب، بل يعيد كتابة العلاقة بين الإنسان والعطر في قالب فني تراثي يمزج الأصالة بالتجديد.

♦️ رحلة إلى هوية الشرق:

“عود ناجي” ليس مجرد اسم تجاري يُضاف إلى قائمة العطّارين، بل هو مشروع ثقافي متكامل يحمل روح العود العربي بكل ما فيه من عمق وأصالة وتاريخ. يقدّم المتجر تجربة حسية متكاملة، تُشبع البصر من خلال ديكور أنيق يوحي بالفخامة، وتنعش الشمّ من خلال توليفات نادرة لعطور شرقية مركزة، بعضها مأخوذ من وصفات قديمة كانت تُعد في مجالس الملوك والنخب.

♦️ زجاجات تحاكي العرش:

بمجرد أن تقترب من طاولة العرض الرئيسية، تستقبلك زجاجات فاخرة محمولة على قواعد بلورية، يحيط بها إطار من الضوء الأبيض المصمم خصيصًا ليعكس شفافية العبوة ونقاء محتواها. وتتنوع أسماء الزجاجات بين “دهن العود”، و”سر الغيم”، و”أريج”، و”ملكي”، و”سحر الشرق”، وكل اسم منها لا يأتي عشوائيًا، بل يعكس فلسفة العطر ومصدره ومزاجه.

أما الزيوت الصغيرة المصطفّة بدقة في الخلف، فتمثل خيارات نادرة لعشّاق التفاصيل، حيث يجد الزائر مزيجًا فاخرًا من العود الكمبودي، والهندي، والمسك الأبيض، وزعفران الشرق، ضمن عبوات ذهبية تقليدية تم تصنيعها خصيصًا لهذا المشروع.

♦️ فريق عمل نسائي بخبرة وحضور:

اللافت في “عود ناجي” هو الحضور القوي للعنصر النسائي السعودي داخل الركن. حيث تتولى البائعات، وهنّ بخبرة عالية ولباقة لافتة، شرح الفروقات الدقيقة بين العطور، وتقديم تجارب حيّة للعملاء، وشرح توليفات كل رائحة وطرق استخدام الزيوت النادرة. وباحترافية راقية، يتحوّل الحوار إلى جلسة استشارية جمالية تمنح الزائر أكثر من مجرد شراء، بل علاقة وجدانية مع العطر.

♦️ زيارة الإعلامي أحمد الثقفي: إشادة من قلب التجربة

وكان من أبرز اللحظات التي شهدها الركن مؤخرًا، زيارة الدكتور الإعلامي أحمد بن عبدالغني الثقفي، أحد الأسماء البارزة في المشهد الثقافي والإعلامي السعودي، وذلك ضمن جولاته التوثيقية للفضاءات التي تمزج بين التراث والإبداع.

وفي حديثه لـ”الصحافة الثقافية”، عبّر الدكتور الثقفي عن إعجابه العميق بتجربة “عود ناجي”، واصفًا إياها بأنها:

“نقطة التقاء بين رائحة الزمن الجميل وذائقة العصر الحديث.”

وأضاف:

“لم يكن هذا مجرد متجر للعطور، بل مساحة حسية تُعيدك لطفولة المجالس، وذكريات البيوت المجبولة بالعود والبخور. أكثر ما لفتني هو الحس العالي في اختيار التركيبات، والأصالة التي تفيض من كل تفصيلة.”

وخصّ بالثناء فريق العمل النسائي قائلاً:

“الفتاة السعودية هنا لا تقف كبائعة، بل كسفيرة للعطر العربي، تشرح، وتعرض، وتبني علاقة وجدانية بين الزائر والزجاجة. شعرت أن كل واحدة منهن تكتب سطرًا جديدًا في كتاب العود.”

وتمنى الدكتور الثقفي أن يرى مثل هذه المبادرات تتوسّع محليًا وخارجيًا، مؤكدًا أن “عود ناجي” يمثّل أنموذجًا سعوديًا جديرًا بالتصدير الثقافي، بما يحمله من ذائقة وهوية ووعي بصري وحسي.

♦️ رؤية تتجاوز العطر:

في حديثنا مع المشرف الإداري على المشروع، أشار إلى أن “عود ناجي” لا يهدف فقط إلى البيع التجاري، بل يسعى لأن يكون علامة سعودية مرموقة تعكس الثقافة الشرقية وتقدّمها بلمسة حداثية تليق بالجيل الجديد. وأضاف:

“نحن لا نبيع زيوتًا، بل نمنح زوارنا توقيعًا عطريًا يرافقهم في ذاكرتهم ومناسباتهم. كل رائحة لدينا محمّلة بذكريات الطيب وأصالة المجالس وكرم العرب.”

♦️ من جدة إلى العالمية:

بدأت الفكرة في أحد الأسواق الشعبية، وتطوّرت اليوم لتصبح مشروعًا عصريًا داخل مركز تجاري كبير، ضمن رؤية للتوسع مستقبلاً إلى عدة فروع في الرياض، والدمام، وحتى خارج المملكة. كما أُعلن مؤخرًا عن نية إدارة “عود ناجي” إطلاق خط إنتاج خاص للعطور المخصصة التي تُعد حسب طلب الزبون، في خطوة تحاكي تجارب الماركات العالمية.

♦️ عود ناجي في كلمات الزوار:

في جولة ميدانية استقصائية، عبّر العديد من الزبائن عن إعجابهم الشديد بالمحل، مشيدين بجودة الزيوت العطرية وثباتها وثراء الروائح المقدمة. تقول الزائرة “م. العنود”، وهي من عشّاق دهن العود:

“أول ما شمّيت رائحة العود هنا، تذكرت بيت جدتي.. الرائحة هذه ما تلقاها بأي مكان، فيها صدق وأصالة.”

ويضيف زائر آخر من منطقة القصيم:

“العبوة وحدها تحفة فنية، ما بالك بالمحتوى؟ هذا مش بس محل، هذا متحف عطور.”

♦️ تجربة لا تُنسى:

ختامًا، يظل “عود ناجي” أكثر من نقطة بيع، إنه انعكاس لهوية ثقافية تعتز بتراثها وتعبر عنه بلغة الجمال والتميّز. فمن يرغب بتذوق رائحة الشرق الحقيقية، وملامسة أسرار العطر العربي، لا بد أن يمرّ بهذا الركن، ولو مرة… لأنه حتمًا سيعود إليه مرارًا.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى