

تشتد الضغوط على لبنان من قِبل الدولة السورية من أجل الإفراج عن المسجونين السوريِّين لاسيما السياسيِّين، أولئك الذين كانوا معارضين لنظام بشار الأسد، في وقتٍ تؤكّد مصادر قضائية لبنانية، أنّ هؤلاء ولو كانوا موالين للنظام الجديد، فإنّه لن يُفرَج عنهم إذا كان جرمهم جناية، وفي الوقت الذي يتمّ فيه التداول داخلياً باتفاقية تحمل في طيّاتها خيوط تسوية لملف المسجونين السوريِّين، الأمر الذي لمّح إليه رئيس الجمهورية جوزاف عون في مقابلته الأخيرة.
وأشار مراقبون إلى احتمال وصول حدود تلك التسوية إلى إقرار عفو عام، يُصدِره رئيس الجمهورية بحسب الصلاحيات المعطاة له لأسباب عديدة، أبرزها عاملان اثنان: الأول، الضغط العربي والغربي؛ والثاني، التهديد من قِبل الدولة السورية بإقفال الحدود السورية مع لبنان، وهو الأمر الذي يتمّ التسريب له من قنوات عدة! وقد يكون جدّياً أو ربما للمزيد من الضغط والتهويل على الدولة اللبنانية.
وفي السياق، تشير تلك المعلومات إلى أنّ الدولة
السورية تتّجه إلى إقفال الحدود مع لبنان للأسباب التالية:
– عدم تجاوبها بالإفراج عن الموقوفين السياسيِّين
في السجون السورية،
– عدم التعاون في تسليم فلول النظام المتواجدة
في لبنان،
– الغموض في مصير أموال المودعين السوريِّين
في المصارف اللبنانية.
فهل تُنفّذ سوريا فعلاً تهديداتها؟
تشير مصادر معنية بالملف، إلى أنّ دمشق قد تفاوض بقساوة من أجل تحرير الموقوفين السوريِّين الموالين للنظام الجديد في سوريا، والذين يقبعون في السجون اللبنانية منذ سنوات. إلّا أنّه يبقى سبباً ضعيفاً نسبياً، كدافع مباشر لإقفال الحدود، لأنّ دمشق لا تعتبره اليوم أولوية في علاقتها مع لبنان، ولأنّ هذا الملف يُدار أمنياً وقضائياً بشكل رصين من الجانبَين، ولهذا لن ترتأي سوريا ربطه بالحدود أو حتى بالتجارة.
وتلفت المصادر نفسها إلى أنّ الترويج الإعلامي عن إقفال الحدود قد يُستخدم أحياناً وتحديداً إعلامياً، كورقة ضغط فعلية لتحسين الشروط وتنفيذ المقتضى.
في المقابل، لا تستبعِد المصادر نفسها أن تُشكِّل فلول النظام أو معارضون سوريِّون موجودون في لبنان، سبباً واقعياً ومحتملاً لاحتمال التهديد بإقفال الحدود، لأنّ الأمر يتعلّق بالعامل الأمني الذي يُهدِّد الإستقرار الذي ينشده الرئيس أحمد الشرع، خصوصاً أنّ دمشق تعتبر أنّ بعض المطلوبين أو المعارضين يتحرّكون من لبنان، وبالتالي أي توتر أمني، تهريب، أو نشاط سياسي – إعلامي، معادٍ قد يُستعمل مبرّراً للتهديد بإقفال الحدود الذي يُستخدم في هذه الحالة كورقة ضغط أمني ورسالة سياسية.
تبقى أموال المودعين السوريِّين في المصارف اللبنانية، وهو أيضاً سبب قوي والأكثر حساسية للتهديد بإقفال الحدود. إذ ترى المصادر نفسها أنّ أموال السوريين (رجال أعمال، تجار، شركات) العالقة في المصارف اللبنانية هي أموال حيَوية للإقتصاد السوري.
أسباب أمنية
في الخلاصة، التهديد إن صحَّ فلن يكون لسبب واحد فقط بل لأسباب عدة، أهمّها ليس فقط أموال السوريِّين في المصارف اللبنانية، بل الإعتبارات الأمنية المرتبطة بمعارضين داخل لبنان لتحضير نشاطات عابرة للحدود. كما يمكن للتهيديد بإقفال الحدود أن يكون رسائل سياسية إقليمية، وليس ملف الموقوفين أولوية حقيقية. في المقابل، يُشير خبراء اقتصاديّون إلى تداعيات إقفال الحدود، إذ لا يمكن إغفال بأنّ إقفال الحدود يضرّ بسوريا كما بلبنان، لأنّ سوريا تحتاج إلى الترانزيت وتحتاج إلى السوق اللبنانية والتنفيس الاقتصادي، لذلك غالباً ما يكون التهديد وسيلة تفاوض وضغط، وليس قراراً نهائياً. فلنترقب وننتظر.
فهذا القانون، بصيغته الحالية، لا يعالج الأزمة، بل يشرّع سرقة ونهب المودعين مجدّداً، بعد التسونامي المالي الذي دمّر حياة آلاف العائلات، ودفع باللبنانيِّين إلى واحدة من أسوأ الأزمات المعيشية في تاريخهم.
ما سيقوم به النواب ليس إجراءً تقنياً ولا تفصيلاً تشريعياً، بل هو موقف سياسي وأخلاقي علني: إمّا الإنحياز إلى الناس وحقوقهم، أو الوقوف إلى جانب المنظومة المالية والسياسية التي نفّذت نهب المودعين وتتهرّب حتى اليوم من تحمّل مسؤولياتها.
من هنا، لا يكفي أن يُطرَح القانون على التصويت. المطلوب من الآن أن يطالب النواب صراحة بأن تكون الجلسة علنية ومنقولة مباشرة على الهواء، وأن يتمّ التصويت بالأسماء وبشكل واضح ومُوثّق، لا عبر رفع الأيادي أو التمرير الغامض. فالتصويت برفع الأيادي هو وسيلة للتهرّب والتعتيم وحماية المتواطئين، ولا يمكن قبوله في قضية تمسّ مستقبل المجتمع بأسره.
الأخطر من ذلك، أنّ أي نائب لا يطالب من الآن بجلسة علنية منقولة مباشرة وتصويت واضح بالأسماء يكون قد كشف حقيقة موقفه مسبقاً. الصمت هنا ليس حياداً، بل إشارة واضحة إلى الاستعداد للتغطية على تمرير قانون يشرعن نهب المودعين. ومَن يختبئ خلف الإجراءات أو الأعراف أو الأعذار التقنية، إنّما يختار الوقوف في صفّ السرقة لا في صفّ الناس.
التصويت يجب أن يكون علنياً ومُسجّلاً: مَن مع القانون، مَن ضدّه، مَن امتنع، ومَن تغيّب عن الجلسة. فالتغيّب ليس موقفاً محايداً، بل تواطؤ مباشر، لأنّه يسهّل تمرير القانون في الظلّ ويمنح شرعية لنهب المودعين. والتمرير من دون إعلان الأسماء هو اعتداء على أبسط قواعد الشفافية وحق اللبنانيِّين في المعرفة والمحاسبة.
الأهم أنّ كل نائب يجب أن يُدرك أنّ موقفه اليوم سيلاحقه غداً. فالناس لن تنسى مَن وقف إلى جانب المودعين، ولن تغفر لِمَن شارك في سرقة أموالهم أو غضّ النظر عنها. آلاف العائلات لا تزال تدفع ثمن هذا النهب، والذاكرة الجماعية لن تمحو أسماء من منحوا الغطاء القانوني له. كل صوت سيُحفظ، وكل تغيّب سيُسجَّل، وكل موقف سيعود إلى الواجهة عند أول استحقاق انتخابي.
نكرّر اليوم، لا نتحدّث عن موقف رمزي أو سجال إعلامي، بل عن مسؤولية سياسية وشخصية أمام الشعب. المطلوب واضح وبسيط: جلسة علنية منقولة مباشرة، تصويت واضح بالأسماء، ومواقف صريحة لكل نائب. وما سيأتي بعد ذلك هو المحاسبة الشعبية، لأنّ اللبنانيِّين يعرفون جيداً مَن دافع عنهم ومن اختار التخلّي عنهم في لحظة مفصلية من تاريخ بلدهم، ولن يغفروا أي تواطؤ أو تغاضٍ عن نهب المودعين.



