
احتفل صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بالقداس الإلهي في الصرح البطريركي في بكركي، في الأحد الرابع من زمن القيامة، حيث تلي إنجيل يوحنا (٢١: ١–١٤) عن ظهور الرب للتلاميذ على البحيرة. شاركه في القداس المطران بولس صياح والمطران أنطوان عوكر النائبان البطريركيان، والأب فادي تابت أمين السر العام، والأب كميليو مخايل أمين السر الخاص، والأب جورج يرق مرشد رعوية الشبيبة في بكركي، وخدمت القداس جوقة السيدة رولا حرب، فيما خدم المذبح شبيبة جمعية فرسان الأرز.
وفي عظته، قدّم الراعي قراءة تربط بين مشهد الإنجيل وواقع لبنان، مُسقطًا نداء المسيح للتلاميذ «ألقوا الشبكة عن يمين السفينة» على المسار الوطني، داعيًا إلى الخروج من دائرة الانتظار إلى قرارٍ فعلي يُنقذ البلاد.
انطلق الراعي من الصورة الإنجيلية لسفينة التلاميذ في بحرٍ مضطرب، ليشبهها بسفينة الوطن التي تواجه تحديات متراكمة، مؤكدًا أنّ الكنيسة كما الوطن لا يسيران في ظروفٍ مستقرة، بل في واقعٍ متقلّب، حيث «الأمواج لا تهدأ والظروف لا تستقر». وفي هذا السياق، رأى أنّ لبنان يعيش اليوم حالةً دقيقة «بين رجاءٍ وخوف، بين انتظارٍ وقلق»، في ظل هدنةٍ هشة وواقعٍ لا يزال مهدّدًا، ما يستدعي اليقظة بدل الاتكال على التمنيات.
وشدّد على أنّ التجارب أثبتت أنّ الاستقرار لا يُبنى على الأمنيات، بل على العمل المسؤول، معتبرًا أنّ الدولة تحتاج إلى «سلطةٍ متماسكة، إلى قانونٍ يسود، إلى مؤسساتٍ تعمل»، وإلى قرارٍ موحّد يعيد الثقة ويضبط المسار. وحذّر من أنّ غياب القانون يفتح الباب أمام الفوضى، حيث «تضعف الدولة ويضيع الإنسان».
وفي موازاة ذلك، أكّد الراعي أنّ السلام لا يمكن أن يبقى شعارًا، بل يجب أن يتحوّل إلى خيارٍ عملي، قائلاً إنّ السلام «يحتاج إلى قرار، إلى إرادة، إلى عمل جدّي»، وإلى خطوات واضحة، من بينها نبذ العنف والسير في طريق الاستقرار. كما شدّد على أنّ بناء الوطن لا يتم إلا على أساس الميثاق والدستور والقوانين، معتبرًا أنّ هذه الركائز هي الضمانة الحقيقية لقيام دولةٍ عادلة.
ولم يُخفِ الراعي حجم القلق الذي يعيشه اللبنانيون، مشيرًا إلى أنّ الأوضاع المتقلّبة تُبقي الناس في حالة ترقّب دائم، فيما الأمل يبقى معقودًا على نتائج المفاوضات الجارية، لكن مع ضرورة عدم الركون إليها وحدها، بل الاستعداد لمواجهة الواقع بوعيٍ ومسؤولية.
وفي موقفٍ لافت، شدّد على أنّ لبنان «ليس ساحة بل وطن، والإنسان فيه ليس رقمًا بل كرامة»، داعيًا إلى إيصال صوت الناس إلى كلّ مسؤول، لأنّ الشعب يريد أن يعيش في «دولة حرّة، سيّدة، مستقلة، موحّدة»، تؤمّن الاستقرار وتفتح آفاق المستقبل للأجيال.
وربط الراعي بين نداء الإنجيل وواجب التحرّك الوطني، معتبرًا أنّ «إلقاء الشبكة» اليوم يعني اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب، بعيدًا عن التردّد، لأنّ المرحلة تتطلّب «قيادةً ثابتة، رؤيةً واضحة، وشجاعةً في اتخاذ القرار».
وختم بالتأكيد أنّ الخروج من الأزمة ممكن، لكنّه يتطلّب انتقالًا من الانتظار إلى الفعل، ومن القلق إلى المبادرة، ومن الشعارات إلى التطبيق، في مسارٍ يعيد للبنان استقراره ويثبّت شعبه في أرضه.



