صيف بلا زحام.. هل ينقذ المغتربون موسم لبنان؟

مع بداية الصيف، لا تبدو الصورة السياحية في لبنان شبيهة بما كان يُنتظر في مواسم سابقة. فالبلد الذي كان يراهن دائماً على الزوار العرب والأجانب، وعلى حركة المطاعم والفنادق والمهرجانات، يدخل موسمه هذه السنة بحذر كبير، وسط ظروف أمنية واقتصادية ضاغطة جعلت السياحة التقليدية شبه غائبة، أو في أفضل الأحوال محدودة جداً.

خلال عطلة عيد الأضحى، منحت عودة آلاف المغتربين جرعة حياة واضحة للأسواق والمطاعم والمقاهي. امتلأت بعض الشوارع بالحركة، وارتفعت وتيرة الحجوزات في عدد من المؤسسات، وبدت الصورة للوهلة الأولى وكأن الموسم بدأ يستعيد شيئاً من نبضه. لكن هذه الحركة، على أهميتها، لم تكن كافية لتبديد القلق لدى أصحاب المؤسسات السياحية، الذين يعرفون جيداً أن الازدحام الموقت لا يصنع موسماً كاملاً.

فالمشكلة الأساسية لا تكمن فقط في عدد الوافدين، بل في طبيعة الحركة نفسها. كثير من المغتربين يزورون لبنان لفترات قصيرة، مرتبطة بالعطلة أو بالمناسبات العائلية، كما أن جزءاً كبيراً من إنفاقهم بات أكثر حذراً من السابق. فالمغترب الذي كان يأتي لقضاء أسابيع طويلة، والتنقل بين المطاعم والسهرات والمناطق السياحية، أصبح في حالات كثيرة يختصر زيارته، ويركز إنفاقه على العائلة والضروريات وبعض المناسبات المحدودة.

لهذا السبب، يصف بعض أصحاب المؤسسات السياحية الحركة الحالية بأنها “أمل كاذب”. فهي تمنح انطباعاً سريعاً بأن السوق يتحرك، لكنها لا تعكس انتعاشاً فعلياً ولا تؤسس لموسم مستقر. المطاعم قد تمتلئ في عطلة نهاية الأسبوع، والفنادق قد تسجل حجوزات مرتبطة بعرس أو مناسبة، لكن الصورة العامة تبقى هشّة، لأن الحركة لا تزال محصورة زمنياً ومكانياً، ولا تستند إلى تدفق سياحي واسع كما كان يحصل في سنوات أفضل.

ويزيد من صعوبة المشهد غياب السياحة التقليدية، خصوصاً الزوار الذين كانوا يأتون من الخارج لقضاء عطلة صيفية كاملة في لبنان. هؤلاء ينتظرون استقرار الأوضاع قبل اتخاذ قرار السفر، وبعضهم ألغى أو أجّل خططه، فيما يفضّل آخرون اختيار وجهات أقل توتراً وأكثر وضوحاً من حيث الظروف الأمنية والكلفة. وهنا يظهر الفارق الكبير بين موسم قائم على المغتربين فقط، وموسم سياحي متكامل يشمل المغتربين والسياح العرب والأجانب معاً.

حتى موسم الأعراس والمهرجانات، الذي يشكل عادة رافعة مهمة للصيف اللبناني، لم يسلم من التأثر. فهناك حجوزات أُلغيت أو أُعيد النظر فيها، وموازنات جرى تقليصها، واحتفالات تحولت من مناسبات كبيرة إلى تجمعات أصغر حجماً. كثيرون لا يريدون إلغاء الفرح بالكامل، لكنهم في الوقت نفسه لا يملكون القدرة أو الجرأة على تنظيم احتفالات ضخمة في ظل هذا المناخ. وهذا ينعكس مباشرة على قاعات المناسبات، وشركات التنظيم، والمطاعم، والفنانين، والقطاعات الصغيرة المرتبطة بها.

في المقابل، لا يمكن التقليل من أهمية حضور المغتربين. فهم يشكلون، في كل موسم، دعامة أساسية للاقتصاد المحلي، ليس فقط عبر الإنفاق المباشر، بل أيضاً من خلال دعم العائلات وتحريك قطاعات متعددة. عودتهم تحمل بعداً عاطفياً واقتصادياً في آن واحد، وتمنح البلد فرصة لالتقاط أنفاسه، ولو لفترة قصيرة. لكن السؤال يبقى عما إذا كان هذا الحضور قادراً وحده على إنقاذ موسم كامل.

الجواب، وفق خبراء ومتابعين، أن المغتربين قادرون على تخفيف الخسائر، لا على صناعة التعافي. فالحركة التي يخلقونها تبقى موسمية ومحدودة، ولا يمكن أن تكون بديلاً من سياحة مستدامة تحتاج إلى استقرار، وثقة، وبنية خدماتية قادرة على استقطاب الزوار لفترات أطول. لبنان يستطيع أن يستفيد من أبنائه المنتشرين في الخارج، لكنه لا يستطيع أن يحمّلهم وحدهم مسؤولية إنقاذ قطاع كامل.

هكذا يدخل لبنان صيفه بين حركة موجودة وقلق أكبر منها. المطاعم تفتح أبوابها، الأسواق تنتظر، والمغتربون يعودون بقدر ما تسمح لهم الظروف، لكن الموسم يبقى معلقاً على سؤال واحد: هل تكفي الزيارات القصيرة لإنقاذ الصيف، أم أن البلد يحتاج إلى ما هو أبعد من جرعة نشاط موقتة؟ حتى الآن، يبدو أن المغتربين يمنحون لبنان بعض الهواء، لكنهم لا يستطيعون وحدهم إعادة الحياة الكاملة إلى موسم سياحي فقد كثيراً من مقوماته.

المصدر:اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى