
بقلم ريم نورالدين الشعار
حين نتحدث عن العدوانية عند الأطفال، غالبًا ما نبحث عن صورتها الأكثر وضوحًا: طفل يضرب، يصرخ، يدفع أو يدخل في شجار. لكن هذه الصورة ليست سوى شكل واحد من أشكال العدوان، وربما ليست أخطرها.
فقد يكبر الطفل دون أن يمدّ يده على أحد، لكنه يتعلم منذ سنواته الأولى كيف يؤذي من حوله بطرق لا تترك كدمة على الجسد، وإنما تترك أثرًا في النفس والعلاقات.
قد تكون العدوانية كلمة جارحة، سخرية متعمدة، تنمرًا، إقصاءً، تحريضًا، نشرًا للكلام، أو محاولة لتفريق أشخاص تجمعهم علاقة جيدة. وقد يمارس الطفل هذه السلوكيات من دون أن يدرك في البداية أنها شكل من أشكال الأذى، خصوصًا إذا كانت البيئة المحيطة به تعتبرها أمرًا عاديًا أو وسيلة لإثبات القوة.
ليست كل عدوانية صاخبة
هناك طفل يواجه غضبه بالصراخ، وآخر يختار الصمت والانسحاب، وثالث يذهب إلى أسلوب أكثر خفاءً: يراقب نقاط ضعف الآخرين ويستخدمها عندما يريد إيذاءهم.
قد لا يدخل في أي شجار، لكنه يسخر من زميله أمام الآخرين. وقد لا يرفع صوته، لكنه ينقل كلامًا بين شخصين ليوقع الخلاف بينهما. وقد لا يرفض الآخر بصورة مباشرة، لكنه يعمل على عزله من المجموعة.
هذه السلوكيات قد تبدو بسيطة عندما تحدث مرة، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تتحول إلى أسلوب ثابت في التعامل مع الآخرين.
فالعدوانية ليست في الطريقة التي يُعبّر بها الإنسان عن غضبه فقط، بل أحيانًا في الطريقة التي يحاول بها السيطرة على الآخرين أو الانتقاص منهم أو إلحاق الضرر بهم.
عندما يصبح الآخر تهديدًا للذات
من المهم ألا ننظر إلى كل سلوك عدواني باعتباره دليلًا على شخصية سيئة أو شريرة.
أحيانًا يكون وراءه غضب لم يتعلم الطفل كيف يعبر عنه، أو غيرة لم يعرف كيف يتعامل معها، أو شعور بالرفض، أو رغبة شديدة في لفت الانتباه.
وفي بعض الحالات، قد يرتبط السلوك بشعور عميق بعدم الثقة بالنفس.
فالطفل الذي لا يشعر بقيمته قد يجد صعوبة في تقبل تفوق طفل آخر أو شعبيته أو نجاحه. وبدل أن يرى نجاح الآخر باعتباره أمرًا يمكن أن يحفزه، قد يشعر بأنه يقلل من قيمته هو.
ومن هنا قد تبدأ المقارنة، ثم الغيرة، ثم محاولة التقليل من الآخر.
وقد يكبر هذا النمط مع الإنسان إذا لم تتم معالجته، فيصبح إسقاط الآخرين وسيلة لتعويض شعور داخلي بالنقص.
لكن من المهم أيضًا عدم اختزال العدوانية في «عقدة نقص»؛ فهي قد تنتج عن عوامل كثيرة ومتداخلة، منها نمط التربية، تقليد الآخرين، ضعف مهارات ضبط الانفعال، التعرض للعنف أو التنمر، أو الحاجة إلى فرض السيطرة.
الطفل يتعلم أكثر مما نعتقد
الطفل لا يتعلم فقط من النصائح التي نقدمها له، بل من الطريقة التي نعيش بها أمامه.
إذا كان يرى أن الخلاف يُحل بالصراخ، وأن الغضب يعني الإهانة، وأن الانتقام هو الرد الطبيعي على الإساءة، فسوف يتعلم هذه اللغة حتى لو طلبنا منه لاحقًا أن يكون هادئًا ومحترمًا.
وإذا كان يسمع في المنزل باستمرار كلامًا جارحًا عن الآخرين، أو يرى أحد والديه ينتقص من الناس ويتحدث عنهم بسوء، فقد تصبح هذه الطريقة جزءًا من قاموسه الاجتماعي.
لهذا، فإن بعض السلوكيات التي نكتشفها عند الأطفال لا تبدأ في المدرسة ولا بين الأصدقاء، وإنما قد تبدأ في البيت، حيث يتعلم الطفل أولى قواعد التعامل مع البشر.
حين تنتقل أحقاد الكبار إلى الأطفال
الأمر يصبح أكثر حساسية عندما يحمل بعض الأهل مشاعر عدائية أو خلافات قديمة تجاه أشخاص أو عائلات أو محيط اجتماعي معين، ثم تنتقل هذه المشاعر إلى الأبناء.
قد لا يقول الأب أو الأم للطفل صراحة: «كن عدوانيًا»، لكن الطفل يسمع عبارات تقلل من الآخرين، أو يرى مقاطعة وانتقامًا وتشويهًا، أو يُطلب منه أن يبتعد عن أشخاص لمجرد وجود خلاف بين الكبار.
مع الوقت، قد يتبنى الطفل موقفًا لم يصنعه بنفسه، ويبدأ بالنظر إلى الآخرين من خلال مشاعر أهله.
وهنا لا يعود الطفل يتصرف بناءً على تجربته الشخصية، وإنما يحمل أحيانًا خصومات ليست خصوماته ومشاعر لم يخترها بنفسه.
وهذه من أخطر نتائج التربية التي لا تضع حدودًا واضحة بين مشكلات الكبار وعالم الأطفال.
التربية القائمة على المقارنة قد تصنع منافسة مؤذية
عندما يسمع الطفل باستمرار:
«لماذا لست مثل فلان؟»
«انظر إلى ابن غيرك.»
«يجب أن تكون أفضل من الجميع.»
قد يتعلم أن قيمته مرتبطة بتفوقه على الآخرين، لا بتطوره هو.
وهنا تصبح حياة الطفل سلسلة من المقارنات.
إذا نجح غيره شعر بالتهديد، وإذا امتدح أحد زميله شعر بأنه خسر، وإذا وجد شخصًا أكثر حضورًا أو شعبية بدأ يبحث عن طريقة لتقليل قيمته.
التربية التي تبني الثقة بالنفس لا تقول للطفل: «كن أفضل من الآخرين»، بل تعلمه: «كن أفضل من نفسك بالأمس.»
وهذا فرق كبير في بناء الشخصية.
النميمة والتفريق… عدوان بلا ضجيج
من أكثر أشكال العدوان الاجتماعي التي قد تبدأ في سن مبكرة النميمة ونقل الكلام بهدف الإفساد بين الناس.
هناك فرق بين أن يخبر الطفل عن مشكلة حدثت فعلًا طلبًا للمساعدة، وبين أن ينقل الكلام بقصد إشعال الخلاف.
عندما يصبح الطفل سعيدًا لأنه نجح في جعل صديقين يتخاصمان، أو يشعر بالقوة لأنه يمتلك سرًا يستطيع استخدامه ضد شخص آخر، فنحن أمام سلوك يحتاج إلى تدخل تربوي حقيقي.
فالسيطرة على العلاقات من خلال الأسرار والشائعات والتحريض ليست قوة، حتى لو بدت كذلك في نظر الطفل.
وفي المراهقة تصبح المسألة أكثر تعقيدًا
المراهق يبحث عن مكانه بين الآخرين، ويصبح رأي الأقران أكثر تأثيرًا في تكوين صورته عن نفسه.
وهنا يمكن أن تتحول الحاجة إلى القبول إلى منافسة، والمنافسة إلى تنمر، والتنمر إلى محاولة لإقصاء شخص آخر حتى يشعر المراهق بأنه أكثر قوة أو شعبية.
ومع وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد العدوانية محصورة في المدرسة أو الحي. يمكن لتعليق ساخر أو صورة أو إشاعة أن تصل إلى عدد كبير من الأشخاص خلال دقائق، وأن تجعل الأذى مستمرًا حتى بعد انتهاء الموقف.
لذلك، يحتاج المراهق إلى أكثر من الأوامر والنواهي؛ يحتاج إلى وعي حقيقي بمعنى المسؤولية عن الكلمة، وبأن ما ينشره أو يقوله عن الآخرين قد يترك أثرًا لا يمكن التراجع عنه بسهولة.
لا نعالج العدوانية بالعقاب وحده
عندما يضرب الطفل، من الطبيعي أن نضع حدًا واضحًا للسلوك.
لكن الأهم أن نفهم ما الذي حدث قبله.
ماذا شعر؟
ماذا أراد؟
كيف تعلم أن يعبر عن غضبه؟
هل يشعر بأنه مهم داخل أسرته؟
هل يتعرض للتنمر؟
هل يقلد شخصًا يراه قويًا؟
هل يستخدم العدوان لأنه اكتشف أنه الطريقة الأسرع للحصول على ما يريد؟
العقاب قد يوقف السلوك، لكنه لا يعلّم الطفل بالضرورة البديل.
أما التربية الحقيقية فتعلّمه أن يغضب دون أن يؤذي، وأن يختلف دون أن يهين، وأن يرفض دون أن يحقر، وأن يدافع عن نفسه دون أن يتحول إلى معتدٍ.
قبل أن نسأل: لماذا طفلي عدواني؟ لنسأل أنفسنا
أحيانًا يحتاج الأهل إلى النظر في المرآة قبل أن يشيروا إلى الطفل.
كيف نتحدث عن الآخرين أمامه؟
كيف نتصرف عندما نختلف؟
هل نعتذر عندما نخطئ؟
هل نستخدم السخرية لإهانة من يختلف معنا؟
هل نربي أبناءنا على المنافسة الصحية أم على كراهية من يتفوق عليهم؟
هل نطلب منهم مواجهة المشكلة مع أصحابها، بينما نمارس نحن النميمة خلف ظهور الناس؟
الطفل لا يسمع كلماتنا فقط؛ إنه يراقب سلوكنا، ويخزن تفاصيله، ثم يعيد إنتاجها بطريقته.
القوة ليست في إيذاء الآخرين
نحن لا نريد طفلًا ضعيفًا يخاف من الدفاع عن نفسه، كما أننا لا نريد طفلًا يعتقد أن القوة تعني السيطرة على الآخرين.
نريد طفلًا يعرف حدوده وحدود غيره.
يعرف كيف يقول «لا» دون إهانة.
كيف يغضب دون عنف.
كيف يختلف دون كراهية.
وكيف يرى نجاح الآخرين دون أن يشعر بأن نجاحهم ينتقص من قيمته.
فالشخص الواثق من نفسه لا يحتاج إلى تحطيم الآخرين حتى يشعر بأنه مهم، ولا يحتاج إلى تفريق الناس حتى يثبت نفوذه، ولا يحتاج إلى تشويه صورة شخص آخر حتى يرفع صورته.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن ننتظر ظهور العدوانية في صورتها الصريحة حتى نتحرك.
فبعض الأطفال لا يضربون أحدًا، ولا يدخلون في شجارات، ولا يرفعون أصواتهم، لكنهم يتعلمون شيئًا آخر: كيف يؤذون من حولهم دون أن تبدو أيديهم مرفوعة.
ولهذا، فإن التربية الواعية لا تكتفي بمنع الضرب، بل تبني إنسانًا يعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن العلاقات ليست ساحة للسيطرة، وأن الاختلاف لا يبرر الإهانة، وأن الشعور بالنقص لا يُعالج بإسقاط الآخرين.
فالطفل الذي يتعلم احترام نفسه والآخرين اليوم، يصبح غدًا إنسانًا قادرًا على الاختلاف دون عدوان، والمنافسة دون كراهية، والدفاع عن نفسه دون أن يؤذي من حوله.



