هل يحتفظ اللبنانيون بشقق لا يسكنونها خوفاً من الحرب؟

لم تعد تجربة النزوح في لبنان تبدأ مع الغارة الأولى، بل قبلها بأشهر، فبعد حربين متتاليتين اضطرت فيهما مئات آلاف العائلات إلى البحث عن مأوى في ساعات قليلة وبأسعار مضاعفة، باتت عائلات كثيرة من الجنوب والضاحية الجنوبية تتعامل مع المسكن البديل كضرورة دائمة لا كحل طارئ، فإما تحتفظ بالشقة التي استأجرتها خلال الحرب الماضية رغم عودتها إلى منزلها، وإما تبحث عن شقة احتياطية في منطقة تعتبرها أكثر أماناً، تحسّباً لجولة جديدة يتزايد الحديث عنها.

وتؤكد معطيات من سوق العقارات أنّ هذه الظاهرة قائمة فعلاً، وإن كان حجمها غير مقاس بدقة، إذ يشير متابعون إلى أنّ عائلات جنوبية عدة عادت إلى قراها لكنها أبقت على منازلها المستأجرة خشية استئناف الحرب، خصوصاً في البلدات القريبة من الخط الحدودي، فيما تلفت رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات إلى أنّ بعض النازحين الذين استأجروا شققاً خلال الحروب السابقة لا يزالون يحتفظون بها خشية فقدان ملاذ آمن، في ظل تعذّر العودة إلى منازلهم المتضررة أو المدمّرة.

ولهذا السلوك أثر مباشر على المعروض، فكل شقة محجوزة كاحتياط هي شقة خارج السوق الفعلية، في وقت تعاني فيه هذه السوق أصلاً من ضغط كبير بعد خروج آلاف الوحدات السكنية من الخدمة بفعل الدمار، ويُضاف إلى ذلك تريّث بعض المالكين في تأجير عقاراتهم بسبب مخاوف أمنية من استهداف المباني التي يقيم فيها نازحون، أو مخاوف قانونية من صعوبة استرداد ملكهم إذا طال بقاء المستأجر، ما يعني أنّ الخوف يضغط على السوق من جهتي العرض والطلب معاً.

وتنعكس هذه المعادلة على الأسعار بصورة واضحة، فبحسب تقديرات متداولة، ارتفعت الإيجارات في مناطق تُعتبر آمنة نسبياً في جبل لبنان وصيدا بنسب وصلت إلى 400 في المئة مع اندلاع الحرب في آذار الماضي، فيما طالب مالكون في الضاحية الجنوبية مستأجريهم بزيادات بلغت 50 في المئة بعد وقف إطلاق النار، وأظهرت بيانات أممية ارتفاع متوسط الإيجار الشهري بنحو 18 في المئة بين عامي 2024 و2025، علماً أنّ المخزون السكني المؤجّر في لبنان لا يتجاوز نحو 300 ألف وحدة من أصل 1.65 مليون، وفق تقديرات البنك الدولي.

أما كلفة الاحتفاظ بمسكنين، فتختلف بحسب المنطقة وشروط المالك، لكنها في الحد الأدنى تعني إيجاراً إضافياً كاملاً يُدفع شهرياً من دون استخدام فعلي، وقد يرتفع العبء أكثر حين يشترط المالكون دفع أشهر عدة مسبقاً، وهو ما يجعل المسكن الاحتياطي خياراً متاحاً للعائلات الميسورة نسبياً، بينما تبقى العائلات الأفقر أمام خيارين، إما الانتظار والمخاطرة بالبحث عن مأوى تحت القصف، وإما اللجوء مجدداً إلى مراكز الإيواء.

ومن هنا، يكشف هذا السلوك أنّ الحرب باتت تعيد تشكيل سوق السكن حتى في غيابها، وأنّ قرارات العائلات تُبنى اليوم على توقع الخطر لا على وقوعه، في غياب أي إحصاء رسمي يحدد عدد الشقق الشاغرة والمعروضة فعلاً، أو أي سياسة إسكانية تحمي المستأجرين من الاستغلال، ما يجعل البحث عن الأمان في لبنان امتيازاً تحدده القدرة على الدفع، لا حقاً تضمنه الدولة

 

المصدر:اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى