
عبير بركات – جدة
في مبادرةٍ حملت روح الوفاء قبل البروتوكول، كرّم الدكتور أحمد الثقفي – مدير ملتقى العلاقات العامة والإعلام – الدكتورة فاطمة الزهراء الأنصاري، تقديرًا لمسيرتها المهنية الطويلة، وجهودها الممتدة في خدمة القطاع الصحي والإنساني والاجتماعي، وذلك خلال لقاء خاص في الملتقى جمع نخبة من أعضاء المجتمع الإعلامي والصحي والثقافي. لم يكن التكريم احتفالًا رسميًا كما جرت العادة، بل لقاءًا إنسانيًا هادئًا، كُرّمت فيه الأنصاري بصفتها نموذجًا للمرأة السعودية التي قدمت الكثير ثم تقاعدت بصمت، تاركة خلفها إرثًا من الإنجاز والتأثير جعل ذكرها حيًا في قلوب من عملوا معها وتعلّموا منها.
وخلال اللقاء، شدد الدكتور الثقفي على أن التكريم ليس مجاملةً أو لفتة بروتوكولية، بل اعترافٌ بمسيرةٍ ناضجة استطاعت من خلالها الدكتورة فاطمة أن تعيد تعريف أخلاق العمل في القطاع الصحي، وأن تظل مرجعية في إدارة الأزمات والملفات الحساسة المرتبطة بالمريض، والعاملين الصحيين، والمجتمع. قدمها قائلاً: “بعض القامات لا تحتاج إلى منصة، يكفي أن تذكر اسمها حتى يتّسع المكان بالاحترام”
الدكتورة فاطمة الأنصاري، التي تقاعدت منذ سنوات، حملت في حياتها المهنية ثلاثية نادرة: علمٌ غزير، تجربة عملية طويلة، وعمق إنسانيّ يسبق القرار الإداري. فهي حاصلة على الدكتوراه في إدارة الأزمات، والماجستير في أمراض الدم، وبكالوريوس العلوم الطبية والأحياء الدقيقة، وهي درجات أكاديمية لم تكن مجرد إضافة لملفٍ وظيفي، بل أدوات وظفتها في بناء منظومات واقعية لحل المشكلات، وتطوير أساليب العمل داخل المؤسسات الصحية.
وقد تنقلت في مسيرتها بين مناصب حساسة كان لكل منها أثرٌ عميق: نائب مدير مختبر مستشفى العزيزية بجدة، نائب مدير الحاسب الآلي بمستشفى العيون، مديرة مركز الأبحاث بالمستشفى ذاته، مديرة إدارة المخاطر بمستشفى الولادة والأطفال بجدة، ومديرة العلاقات العامة والإعلام الصحي بمستشفى سعود بجدة. لم تكن تلك المناصب بالنسبة لها محطة عبور، بل ساحات تجريب وتطوير، نقلت فيها العمل من مستوى الإجراءات إلى مستوى القيم، ومن التفاعل الوظيفي إلى الشراكة الإنسانية مع المجتمع الطبي والمرضى.
إلى جانب دورها الإداري، عُرفت الأنصاري بنشاطها الحقوقي والاجتماعي، حيث قادت أول مبادرة وطنية لوقف العنف ضد الطفل في المملكة بالتعاون مع سعاد الشمري وأمل خليفة، وكانت من أبرز الأصوات المطالبة بحماية القُصَّر من الزواج المبكر، والتصحيح الفكري للمفاهيم الاجتماعية الخاطئة. كما امتدت جهودها إلى الدفاع عن حقوق المرضى وتحسين ظروفهم المعيشية داخل المؤسسات الطبية، ومناصرة قضايا المرأة على أسس علمية، لا شعارات عاطفية، وهو ما جعلها تحظى بتكريم الفيدرالية العالمية لأصدقاء الأمم المتحدة، ونيل لقب سفيرة للنوايا الحسنة.
وفي سياقٍ موازٍ لمسيرتها المهنية والإنسانية، كشفت الدكتورة الأنصاري عن جانب فكريّ وأدبيّ عميق من شخصيتها عبر إصدارها الأدبي الأول بعنوان “في حياتي تعلمت”، والذي وقعته مؤخرًا خلال مشاركتها في معرض جدة الدولي للكتاب. وقد أهدت المؤلفة كتابها إلى والديها الراحلين اللذين بقيا معها في وجدانها وقلبها، وإلى أبنائها وكل من تمنى لها النجاح وفرح بمنجزاتها. لم يكن الكتاب سردًا تقليديًا لسيرة حياة، بل خلاصة تجربة طويلة مزجت فيها بين الألم والنجاح، بين محطات التعلم وخلاصات الواقع، وبين ما خاضته بنفسها وما تعلمته من الآخرين.
يحمل الكتاب في طياته قصصًا وتجارب حقيقية، عاشت بعضها المؤلفة، وشهدت بعضها الآخر في محيطها، فاستفادت من الصحيح منها، وحاولت تصحيح الخاطئ، بروحٍ ناقدة لا تهدم، وبأسلوب مكثف لا يسترسل في الكلمات بقدر ما يسترسل في المعنى. وقد تميز الكتاب بشمولية واسعة، جمع فيه موضوعات متعددة من مشوار حياة المؤلفة وتجارب غيرها، بأسلوب جذاب وسرد يشبه القصة، يلامس القارئ ويأخذ بيده إلى زوايا الواقع التي غالبًا ما تُختصر ولا تُشرح.
لم يكن تكريم ملتقى العلاقات العامة والإعلام للدكتورة فاطمة الأنصاري مجرد احتفاء بماضٍ منجز، بل احتفاء بروحٍ ما زالت قادرة على الإلهام، وبتجربةٍ تثبت أن القيمة الحقيقية ليست في المنصب، بل في ما يبقى من أثر بعد الرحيل. وبين كلمات الشكر ونظرات الامتنان، شعر الجميع أن ما قدمته الأنصاري خلال سنوات عملها لن يُقاس بزمن، بل برسالةٍ إنسانية طويلة المدى… رسالة تقول إن العطاء الحقيقي لا ينطفئ، حتى وإن توقفت المسيرة الوظيفية.
قصيدة تكريم
يا فاطمــةُ والقلبُ يشهدُ أن في خطوكِ نورًا لا يُهزمُ بالعتمِ
زرعتِ في دروبِ الصحّةِ صدقًا، فصار المريضُ بقربكِ في مأمنٍ من الألم
يا سيدةً خُلِقَت لتقود لا لتلهث خلفَ موجِ المجاملاتِ وفتاتِ القيم
قامت على أكتافِ تجربتها، فلم تركنْ إلى لقبٍ ولا احتاجتْ إلى سلم
في المختبرِ كنتِ قارئةَ الحقيقة، لا عابرةً على الشرائح والدم
ترينَ وراء الخلية إنسانًا، وتُبصرين خلف الأرقام بكاءً لا يُحكى من علم
وبين الملفاتِ كان صوتُكِ يسبقُ القرار، فلا تفصلين بين المريضِ والشأن العام
تقولين للحياة: أنا هنا، أُصلح ما أستطيع، ولو بقي في يدي خيطٌ من بحجم نسمةٍ في النسيم
يا فاطمــةٌ يا مدرسةً في الصبر، ويا مرآةً للثبات حين تضيقُ السبلُ وتضطربُ الحُكم
لم ترفعي الراية خوفًا، بل رفعتِها لتعلّمي الوجدان أن الكرامة ليست زينةً ولا وسامًا يُهدى بلا فهم
من زواجِ القاصرات إلى حماية الطفولة، كنتِ السيف الذي لا يكلّ، والقلب الذي لا ينهزم
ناديتِ بحقوقٍ مغيّبة، فاستيقظ الضمير، وتحوّل الجهلُ إلى سؤالٍ، والسؤالُ إلى عزم
وعن المرأة، لم تكوني واعظةً على المنابر، بل فكرًا يسيرُ على الأرضِ ويرفض الانقسام
لا تطلبين المساواة لفظًا، بل عدالةً تُنصفُ العقول، وتُعيد للأم والأخت قيمةَ الحلم والاسم
وفي المستشفيات كنتِ ظلًّا شفيفًا، تمسحين التعبَ عن الممرضات، وتضمدين جرح الطبيب بلا تهمةٍ أو ملام
تعرفين أن كل من وقف أمام الموت ولو مرة، يحتاج حضنًا قبل أن يحتاج علاجًا أو عدم
يا من وقفتِ إلى جانب المرضى حين يخذلهم القانون، وقلتِ لهم: لكم حقٌ لا يُشترى، ولا يُكتم
خرجتِ من الأروقةِ والملفات، وبقيتِ في ذاكرة الناس، لأنكِ اخترتِ أن تكوني إنسانًا، لا صورةً على جدارٍ في قاعةٍ من ذهبٍ أصم
وبعد التقاعدِ، حين ظنوا أنكِ ستغادرين المشهد، عدتِ بالكتاب، تقولين: هنا حكايتي… وهنا سأعلّم
“في حياتي تعلمت” لم يكن سيرةً للغواية، بل وثيقة قلبٍ عَبَر الجمرَ، فصار يعرف كيف يقي غيره من السقم
أهديتِه لوالديكِ الراحلين، فدخل النصُّ في حبر الذاكرة، وصار دعاءً لا يُهزم
وأهديتِه لأبنائكِ وكل من فرح بنجاحك، ليعرفوا أن النجاح ليس ضوء منصة، بل صبر سنواتٍ لا تُرحم
قصصُكِ ليست حكاياتٍ للتسلية، بل طُرقُ خلاصٍ لمن يبحثون عن معنى الحياة حين تتكسرُ بهم الأحلام
تأخذين القارئ من التجربة إلى الوعي، ومن الألم إلى القوة، ومن الأخطاء إلى حكمةٍ تشعّ كالنجوم في ظلامٍ مظلم
يا فاطمــة، إن قيل فيكِ أنكِ قامة، فالعبارة ضيقةٌ أمام سعة المعنى الذي قدّمتهِ للعالم
أنتِ التي ورثتْها المستشفياتُ دهشةً، والأطفالُ أمانًا، والنساءُ عزيمةً، والقلوبُ خيط أملٍ لا ينتهي مهما طال الزمن
سلامٌ عليكِ في كل ما صنعتِ، وفي كل ما منحتِ، وفي كل بابٍ فتحتِه دون انتظار ثمن
وبكِ نختم القول: من كان أثرُه حياةً للناس… لم يفارق الحياة يومًا، بل يعيش فيها إلى أن تقوم القيَم.




