
بقلم إيمان غصي
في لبنان، اعتادت المرأة أن تكون حاضرة في مواجهة الأزمات، حتى لو لم تكن حاضرة دائمًا في المكان الذي تُتخذ فيه القرارات. فعندما تضيق الظروف، تكون غالبًا في الصف الأول: تحمي أسرتها، تدير شؤون منزلها، تساعد محيطها، وتبحث عن حلول عملية عندما تعجز المؤسسات أو تتأخر الحلول.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: لماذا تبقى هذه القدرات محصورة في دائرة العمل اليومي، ولا تنتقل إلى مواقع التأثير وصناعة القرار؟
لقد أفرزت السنوات الصعبة في لبنان نساءً امتلكن خبرة حقيقية في التعامل مع الأزمات. نساء تعلمن كيف يخططن، وكيف يتصرفن تحت الضغط، وكيف يجمعن الناس حول هدف، وكيف يجدن البدائل عندما تصبح الإمكانات محدودة. وهذه خبرة قيادية لا يجوز أن تبقى غير مرئية.
لذلك، نحن لا نحتاج فقط إلى الحديث عن تمكين المرأة، بل نحتاج إلى البحث عن النساء القادرات فعلًا على القيادة، أينما كنّ، وإعطائهن الفرصة للوصول إلى مواقع القرار.
هناك سيدات كثيرات عملن سنوات بعيدًا عن الإعلام، ولم يبحثن عن الأضواء أو المناصب. كنّ موجودات في مجتمعاتهن، يقدمن المبادرات، ويساعدن الناس، ويعملن بصمت. هؤلاء تحديدًا يجب أن نصل إليهن، وأن نفتح أمامهن المجال ليظهرن إلى الواجهة ويشاركن في الشأن العام.
فالقيادة لا تُقاس بعدد الصور أو المناصب، وإنما بما تستطيع المرأة أن تقدمه عندما توضع أمام مسؤولية حقيقية.
وفي بلد مثل لبنان، يعيش أزمات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية متلاحقة، أصبح من الضروري أن نوسع دائرة الأشخاص الذين يشاركون في صناعة الحلول. ومن غير المنطقي أن نبحث دائمًا عن الكفاءات نفسها، بينما توجد طاقات نسائية كبيرة لم تحصل بعد على فرصتها.
المطلوب أن ننتقل من فكرة أن المرأة مستفيدة من القرار أو متلقية لنتائجه إلى أن تكون شريكة في صياغته.
وهذا يبدأ من التعرف إلى النساء الموجودات في الميدان، الاستماع إلى تجاربهن، تطوير قدراتهن، وربطهن بالمساحات التي تسمح لهن بالتأثير والمشاركة.
إن إخراج المرأة من العمل الصامت إلى المجال العام لا يعني تغيير شخصيتها أو دفعها إلى الواجهة بالقوة، بل يعني الاعتراف بقيمة ما قامت به أصلًا، وتحويل خبرتها وتجربتها إلى طاقة يمكن أن يستفيد منها المجتمع كله.
لبنان لا يحتاج إلى نساء يتحدثن عن القيادة فقط، بل إلى نساء عشن معنى المسؤولية وأثبتن قدرتهن عليها. وحان الوقت أن نبحث عنهن، نسمع أصواتهن، ونمنحهن المكان الذي يستحقنه في صناعة القرار.



